تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣

ولا شكّ في أنّ الأمر الثاني هو المتعيّن عقلائياً ، ومن هنا تمّ اختياره باعتباره طريقاً جيّداً للإيصال إلى أغلب الأحكام الواقعية وللكشف عنها ، وأمّا الموارد التي يخطئ فيها وما شابه ، فهي معفوّ عنها ، والمكّلف معذور . من هنا أطلق اسم « الأمارة » على هذا الدليل والطريق والمرشد باعتباره علامة تشير إلى الأحكام الواقعية التي شكّ المكلّف بها ولم يستطع الوصول إليها وإن لم توصله إليها في بعض الأحيان ، وقد جعل الشارع الحجّية للأمارة . وهذا معناه أنّ مؤدّى الأمارة لم يكن له مدخلية في جعل الحكم الظاهريّ ، فسواء كان وجوباً أو حرمة أو استحباباً أو كراهة أو إباحة ، فإنّ الشارع لم ينظر إلى ذلك في مقام جعل الحجّية للأمارة وإنّما نظر فقط إلى كاشفيتها عن الواقع ( 1 ) وإن كانت كاشفية ناقصة غير تامّة ، كما قلنا سابقاً . من أمثلة هذا الطريق والدليل خبر الثقة ، فإنّ الثقة وإن احتمل في خبره الخطأ والنسيان وما شابه ذلك ، إلّا أنّ خبره في الأعمّ الأغلب صادق ويوصل إلى الأحكام الواقعية ويكشف عنها . فخبر الثقة أمارة جعله الشارع حجة ، وتمام الملاك في جعل الحجّية له هو كاشفيته عن الحكم الواقعيّ ، وتلك الحجية المجعولة من قبل الشارع لخبر الثقة تسّمى الحكم الظاهريّ ( 2 ) . الثاني : الأصل العملي : وهو الحكم الظاهريّ الذي أخذ فيه بعين الاعتبار - غالباً - نوع الحكم المشكوك ( 3 ) فقط ، لا أنّه طريق وكاشف

هامش
( 1 ) وقد عبّر السيّد الشهيد ( قدس سره ) عن الكشف عن الواقع ب‍ « الاحتمال » . للاطّلاع انظر دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة ، القسم الأوّل : ص 32 .
( 2 ) فالأمارة بنفسها ليست حكماً ظاهريّاً وإنّما هي مورد لجعل الحكم الظاهريّ ، فهي مجرّد كاشف لا غير ، ولأجل هذه الكاشفية التي تُصيب الواقع غالباً جُعلت الحجّية لها ، وهذه الحجّية هي الحكم الظاهريّ لا نفس الأمارة كخبر زرارة مثلاً .
( 3 ) وقد عبّر السيّد الشهيد عن نوع الحكم المشكوك بالمحتمل ، انظر المصدر المتقدّم .