فالتفكيك بين القطع وحجّيته ومنجّزيته أمر مستحيل ، ولا يمكن ورود الترخيص في مخالفة القطع وسلب المنجّزية عنه . فلو قطع المكلّف - مثلاً - بوجوب صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة ، فهذا الحكم حكم واقعيّ لم يؤخذ في موضوعه الشكّ ، ولو أراد الشارع أن يفكّك بين القطع بهذا الحكم وبين حجّيته بأن يجعل ترخيصاً في ترك صلاة الجمعة فإنّ هذا الترخيص لا يعدو أن يكون إمّا حكماً واقعياً ، أو حكماً ظاهرياً ولا ثالث لهما .
( فإن كان حكماً واقعياً لزم اجتماع الضدّين ؛ لأنّ الأحكام التكليفية الواقعية متضادّة فيما بينها .
( وإن كان حكماً ظاهرياً فإنّه مستحيل أيضاً ، لأنّه لن يصل إلى المكلّف ، إذ الحكم الظاهريّ - كما تقدّم - هو ما أُخذ في موضوعه الشكّ ، والقاطع بصلاة الجمعة في ظهر الجمعة لا يرى نفسه شاكّاً ، ومن هنا سيقول : إنّ هذا الحكم لا يشملني وإنما يشمل الشاكّين بحكمهم ، فلا يصل الحكم إليه أصلاً .
وأمّا بالنسبة إلى التكليف المظنون والمحتمل ، فإنّ الأمر يختلف ، لأنّ من يظنّ أو يحتمل وجوب صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة ، لديه شكّ في هذا الوجوب ، فلو جاءه ترخيص ظاهريّ من المولى على الخلاف فإنّه سيقول : إنّني ظانّ وشاكّ بوجوب هذه الصلاة ، وهذا الحكم الظاهريّ الآتي إليّ يرخّصني في ترك التحفّظ تجاه ما أشكّ به من التكاليف ، فهو شامل لي وأستطيع العمل به . ومن هنا كان بإمكان الشارع أن يجعل بحقّ مثل هذا الشاكّ حكماً ظاهرياً على خلاف ظنّه أو احتماله ، لأنّ جعل مثل هذا الحكم ووصوله إلى المكلّف لا يتطلّب أكثر من وجود الشكّ وهو موجود .
الدروس ، شرح الحلقة الثانية للشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر ، من أبحاث السيد كمال الحيدري — صفحة 133
مساهمون: علاء السالم
ص١٣٣