والحقّ أنّ أبا بكر إنّما أسلم لما سمعه من بحيرا الراهب وغيره ، في ارتفاع أمر النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم ، وبعد صيته ، وانتشار حكمه ؛ وكذلك عمر [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] انظر : معرفة الصحابة 1 / 445 ، رقم 352 ، أسد الغابة 1 / 199 رقم 371 ، السيرة الحلبية 1 / 198 و 443 .
نقول : كلام الشيخ المظفّر قدّس سرّه دقيق ؛ فقد قال : « لما سمعه من بحيرا الراهب وغيره . . . وكذلك . . . » ؛ إذ الحقّ أنّهما سمعا ذلك من غير بحيرا ، فقد شاع خبر نبوّته وانتشار أمره صلَّى اللَّه عليه واله وسلم قبل ولادته وبعدها ، في الجزيرة العربية وغيرها ؛ إذ بشّرت به الكتب السماوية ، وتناقل أخباره اليهود والنصارى ، كما صرّحت بذلك كتب القوم .
وإنّما ذكر الشيخ المظفّر قدّس سرّه بحيرا هنا احتجاجا على القوم بما زعموه من كون أبي بكر مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم في سفره إلى الشام ، أو مجاراة لهم ، وإلَّا فإنّ دعوى كونه معه صلَّى اللَّه عليه واله وسلم - سواء في السفرة الأولى أو الثانية - باطلة ؛ إذ لم يأت ذلك في رواية أحد نقلة الأخبار ، وقد كان عمره الشريف صلَّى اللَّه عليه واله وسلم عشرة أعوام أو اثني عشر عاما ، وأبو بكر أصغر منه سنّا .
وما رواه الترمذي وغيره عن أبي موسى الأشعري - مرسلا - ، من أنّ أبا بكر أرسل بلالا مع النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله وسلم لمّا أرجعه عمّه أبو طالب إلى مكَّة ، فباطل كذلك ؛ لما تقدّم من صغر سنّ أبي بكر حينذاك ؛ فقد كان ابن ستّ أو تسع سنين ، وبلال أصغر منه سنّا ولم يكن قد ولد في ذلك الوقت ؛ وبذلك اعترف الحفّاظ وحكموا ببطلان الحديث . .
قال الحافظ شمس الدين الذهبي في ذلك : « وممّا يدلّ على أنّه باطل قوله :
وردّه أبو طالب ، وبعث معه أبو بكر بلالا ، وبلال لم يكن خلق بعد ، وأبو بكر كان صبيّا » انظر : ميزان الاعتدال 4 / 306 - 307 رقم 4939 ترجمة عبد الرحمن بن غزوان .
وقال ابن القيّم الجوزية : « ووقع في كتاب الترمذي وغيره ، أنّه [ أي : أبو بكر ] بعث معه بلالا ؛ وهو من الغلط الواضح ؛ فإنّ بلالا إذ ذاك لعلَّه لم يكن موجودا » انظر : زاد المعاد في هدي خير العباد 1 / 37 .
وكذا قال غيرهما ؛ انظر : عيون الأثر 1 / 55 ، سبل الهدى والرشاد 2 / 144 ،