وأقول :
لا يخفى أنّ الأشاعرة لمّا زعموا أنّ اللَّه تعالى خلق الأعمال جميعها ، حسنها وقبيحها ، لزمهم ما ذكره المصنّف من القول : بأنّ اللَّه تعالى فاعل للقبائح بأسرها ، وأجاب الفضل عنه بجوابين :
الأوّل : إنّه لا يقبح من اللَّه فعل القبيح ، إذ لا قبيح منه ولا استقباح بالنسبة إليه ؛ لأنّ قبح الفعل مبنيّ على قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين ، والأشاعرة لا يقولون بها .
الثاني : إنّ خلق القبيح غير فعله .
وهذان الجوابان - مع تضمّن أوّلهما الإقرار بفعل اللَّه سبحانه للقبيح - باطلان .
أمّا الأوّل : فلما عرفت من حكم العقل بالحسن والقبح العقليّين في الأفعال ، وقد أقرّ الخصم به في تحقيقه السابق [ 1 ] .
وأمّا الثاني : فلأنّ كون الخلق غير الفعل لا يتصوّر أن يكون مبنيا إلَّا على اعتبار أن يكون الفعل قائما في الفاعل وحالَّا في ذاته ، بخلاف الخلق ، وهو باطل ؛ لأنّ القتل فعل للقاتل وهو حالّ بالمقتول .
ولو سلَّمت المغايرة ، فخلق القبيح صفة نقص في الخالق ، وهو من القبح العقلي المسلَّم عندهم على ما أسلفه الخصم .
فإن قلت : الخلق من أفعاله تعالى لا صفاته .
هامش
[ 1 ] راجع ج 2 / 411 فما بعدها من هذا الكتاب .