وأقول :
ما ذكره من اتّفاق العلماء على أنّ الممكن لا يترجّح أحد طرفيه على الآخر إلَّا لمرجّح ، خطأ ظاهر ، فإنّ قومه - وهم الأشاعرة - لا يوافقون عليه ، ويزعمون أنّ بقاء الممكن الموجود ، وعدم الممكنات الأزلي ، لا يحتاجان إلى مرجّح وسبب .
ولذا قالوا : إنّ المحوج إلى السبب هو الحدوث ، أي خروج الممكن من العدم إلى الوجود ، لا الإمكان [ 1 ] .
ولكن غرّ الخصم أنّه رأى في أوّل مباحث الممكن من « المواقف » وشرحها دعوى ضرورية حاجة الممكن إلى السبب بالتقرير الذي ذكره الخصم ، ولم يلتفت إلى أنّهما ذكرا ذلك عن الحكماء القائلين بأنّ المحوج إلى السبب هو الإمكان [ 2 ] ، خلافا للأشاعرة .
ولذا بعدما ذكرا عن الحكماء أنّ الحكم مركوز في طباع البهائم ، ولذا تنفر من صوت الخشب ، أوردا عليه بقولهما : « قلنا ذلك ، أي نفورها لحدوثه لا لإمكانه ، فإنّه لمّا حدث الصوت بعد عدمه ، تخيّلت البهائم أن لا بدّ له من محدث ، لا أنّها تخيّلت تساوي طرفي الصوت ، وأن لا بدّ هناك من مرجّح » [ 3 ] .
ولو سلَّم الاتّفاق على حاجة الممكن إلى السبب ، وعلى أنّه يمتنع
هامش
[ 1 ] شرح المقاصد 2 / 15 .
[ 2 ] انظر : المواقف : 71 ، شرح المواقف 3 / 135 - 136 .
[ 3 ] المواقف : 71 ، شرح المواقف 3 / 137 .