فإن قلت : نفس حدوث الحوادث يدلّ على وجود المحدث بلا حاجة إلى القياس على أفعالنا .
قلت : لا نسلَّم ذلك ما لم يرجع إلى التعليل بالإمكان ، بلحاظ أنّ ما تساوى طرفاه يمتنع ترجّح أحدهما بلا مرجّح ، وهو خلاف قولهم بأنّ العلَّة المحوجة هي الحدوث لا الإمكان [ 1 ] .
فنفس الحدوث - مع قطع النظر عن الإمكان - لا يقتضي الحاجة إلى صانع ؛ لجواز الصدفة ، فلا بدّ لهم من القول بأنّا فاعلون لأفعالنا ، وأنّها محتاجة إلينا ، ليقاس عليها سائر الحوادث وتتمّ كلَّية الكبرى .
اللازم الثاني : سدّ باب الاستدلال على كونه تعالى صادقا ، واستدلّ عليه المصنّف بقوله : « وأيضا لو جاز أن يخلق اللَّه تعالى القبائح ، جاز أن يكذب في إخباره » .
وتوضيحه : إنّه إذا جاز أن يخلق تعالى الكذب الواقع من الناس وسائر القبائح ، فقد جاز أن يكذب في كلامه اللفظي ، إذ لا فرق بين أن يخلق الكذب في الناس ، وبين أن يخلقه في شجرة أو على لسان جبرائيل أو ألسنة الأنبياء ؛ لأنّ جميع الكذب والقبائح إنّما هي خلقه ، فلا يوثق بوعده ووعيده وسائر أخباره ، كما سبق موضّحا [ 2 ] .
[ اللازم ] الثالث : سدّ باب الاستدلال على صحّة النبوّة ، واستدلّ عليه المصنّف بقوله : « وأيضا إذا كان اللَّه تعالى خالقا للجميع من القبائح وغيرها » . .
وهو غنيّ عن البيان ، والملازمة فيه ظاهرة .
هامش
[ 1 ] انظر : تمهيد الأوائل : 38 - 42 ، المواقف : 76 - 77 ، شرح المقاصد 2 / 13 .
[ 2 ] راجع الصفحة 19 .