وأقول :
سبق في أوّل المبحث أنّ القول بعدم تأثير قدرة العبد واختياره خلاف الضرورة ، وأنّ من أنكر تأثير قدرته ليس له طريق إلى إثبات وجودها [ 1 ] .
كما سبق هناك أنّ الإرادة ومقدّماتها ، من تصوّر المراد ، والتصديق بمصلحته ، والرضا به ، أفعال للعباد وآثار لقدرتهم ، وأنّه ربّما تقع المقدّمات من اللَّه تعالى ، وقد أوضحناه فراجع [ 2 ] ، فلا محلّ لعجبه كلّ العجب .
ومن خلوّ وطاب [ 3 ] الأشاعرة من النقد على مذهب العدليّة التجأوا إلى التهويل بالألفاظ ، فعبّروا عن فعل العبد بالخلق والشرك ، اللذين ينصرف أوّلهما إلى فعل كامل القدرة ، وثانيهما : إلى الشرك في الإلهيّة . .
وهم أحقّ بالشرك ؛ لإثباتهم الصفات الزائدة المغايرة للَّه تعالى في وجوده ، ولا تقوم الإلهيّة إلَّا بها ، مع أنّهم - أيضا - أثبتوا هذه الصفات لأنفسهم [ 4 ] !
هامش
[ 1 ] راجع الصفحة 120 .
[ 2 ] راجع الصفحة 124 - 125 .
[ 3 ] الوطاب ، جمع وطب : وهو سقاء اللبن ؛ انظر : لسان العرب 15 / 334 ، تاج العروس 2 / 469 ، مادّة « وطب » .
وهو هنا كناية عن خلوّ جعبتهم من الحجّة والبرهان .
[ 4 ] انظر : الأربعين في أصول الدين - للفخر الرازي - 1 / 138 ، المواقف : 269 ؛ وقد تقدّم هذا البحث في ج 2 / 173 وما بعدها ، فراجع .