ففي النّشأة الأولى تراءت لآدم
بمظهر حوّا ، قبل حكم الأمومة
فهام بها ، كيما يكون به أبا ،
ويظهر بالزّوجين حكم البنوّة
وكان ابتدأ حبّ المظاهر بعضها
لبعض ، ولا ضدّ يصدّ ببغضة
وما برحت تبدو وتخفى ، لعلَّة ،
على حسب الأوقات ، في كلّ حقبة
وتظهر للعشّاق في كلّ مظهر ،
من اللَّبس في أشكال حسن بديعة
ففي مرّة لبني ، وأخرى بثينة ،
وآونة تدعى بعزّة عزّت « 1 »
ولسن سواها ، لا ولا كنّ غيرها
وما إن لها ، في حسنها ، من شريكة « 2 »
كذاك بحكم الاتّحاد بحسنها ،
كما لي بدت ، في غيرها ، وتزيّت « 3 »
بدوت لها في كلّ صب متيّم ،
بأيّ بديع حسنه وبأيّة « 4 »
وليسوا ، بغيري في الهوى ، لتقدّم
عليّ لسبق في اللَّيالي القديمة
وما القوم غيري في هواها ، وإنّما
ظهرت لهم ، للَّبس ، في كل هيئة
ففي مرة قيسا ، وأخرى كثيّرا ،
وآونة أبدو جميل بثينة
تجلَّيت فيهم ظاهرا ، واحتجبت با
طنا بهم ، فأعجب لكشف بسترة « 5 »
وهنّ وهم ، لا وهن وهم مظاهر
لنا ، بتجلَّينا بحبّ ونضرة « 6 »
فكلّ فتى حب أنا هو ، وهي حبب
كلّ فتى ، والكلّ أسماء لبسة « 7 »
هامش
« 1 » لبني : حبيبة قيس وقد مرّ ذكرها . بثينة : حبيبة جميل بن معمر . عزة حبيبة كثير . عزت : كرمت وغلت .
« 2 » لسن سواها . أي كلهنّ حواء أو الأنثى . ان - حرف نفي بمعنى ليس .
« 3 » الاتحاد : الوصال الروحي . تزيت : ارتدت وتزينت .
« 4 » اللهاف : من اللهفة وهي الحرقة والشوق . الصب : العاشق المدنف . والمتيم : الشديد العشق .
« 5 » تجليت : برزت وظهرت واضحا . السترة : الاحجاب .
« 6 » هن وهم : الحبيبات والمحبون . الوهن : الضعف . النضرة : الزينة والبهجة .
« 7 » هذا البيت والذي يليه وصف لحالة ابن الفارض واتصاله بعالم الروح حيث تجلت له الحقيقة الإلهية فوصل إلى أعلى درجات العشق الإلهي واستعمل المجاز بالحب المعروف ليقول انه سلطان العاشقين .