وقد روي أنه قيل لبعض العلماء : أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت
حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة ؟ فقال : لأن يكونوا خصمائي أحب إلى من أن
يكون رسول الله صلى الله عليه وآله خصمي يقول لي : لم لم تذب الكذب عن حديثي ؟ !
وروي أن بعضهم سمع من بعض العلماء شيئا من ذلك فقال : يا شيخ لا نغتاب
العلماء ، فقال له : ويحك ، هذه نصيحة وليست غيبة . وقد ادعى غير واحد من الأواخر
الإجماع على استثنائه من حرمة الغيبة ، واستدلوا على ذلك مضافا إليه بأهمية مصلحة
حفظ أحكام الله تعالى عن الضياع من مفسدة الغيبة ، وبالأخبار الواردة عنهم
عليهم السلام في ذم جملة من الرواة وبيان فسقهم وكذبهم ونحو ذلك . فالجواز مما
لا شبهة فيه ، بل هو من فروض الكفايات كأصل المعرفة بالحديث ، نعم يجب على
المتكلم في ذلك التثبت في نظره وجرحه لئلا يقدح في برئ غير مجروح بما ظنه جرحا ،
فيجرح سليما ، ويسم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها . فقد أخطأ في ذلك غير
واحد ، فطعنوا في أكابر من الرواة استنادا إلى طعن ورد فيهم له محمل ، كما لا يخفى على
من راجع كتب الرجال المبسوطة .
ولقد أجاد في " البداية " حيث قال بعد التنبيه على ذلك : " إنه ينبغي
للماهر في هذه الصناعة ومن وهبه الله أحسن بضاعة تدبر ما ذكروه ، ومراعاة ما
قرروه ، فلعله يظفر بكثير مما أهملوه ، ويطلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه ،
كما اطلعنا عليه كثيرا ، ونبهنا عليه في مواضع كثيرة ووضعناها على كتب القوم ،
خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والمدح ، فإنه وقع لكثير من أكابر الرواة ، وقد
أودعه الكشي في كتابه من غير ترجيح ، وتكلم من بعده في ذلك فاختلفوا في ترجيح
أيهما على الآخر اختلافا كثيرا ، فلا ينبغي لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك ، بل
ينفق مما آتاه الله تعالى ، فلكل مجتهد نصيب ، فإن طريق الجمع بينها ملتبس على كثير
حسب اختلاف طرقه وأصوله في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثقة وطرحها أو
بعضها . فربما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع
بينها ، بل يعمل بالصحيح خاصة حيث يكون ذلك من أصول الباحث ، وربما يكون
بعضها صحيحا ، ونقيضه حسنا أو موثقا ، ويكون من أصله العمل بالجميع ، ويجمع
دراسات في علم الدراية — صفحة 78
مساهمون: علي أكبر الغفاري
ص٧٨