فقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة وثبوت المعاني فيها بواسطتها ، والرسل إنما يكلمون
الناس في الدنيا ، وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم والنائم إنما يحتمل المثال ، فيوصلون
المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من الله سبحانه ، ولطفا منه تعالى بعباده ، وتيسيرا
لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل . وقيل : بل يخلق الله كبشا يسميه الموت
ويلقي في قلوب الجمع أنه الموت ، ويجعل ذبحه دليلا على الخلود في الدارين الجنة والنار ،
والذابح ملك الموت الذي يعرفه أهل الجمع لأنه المتولي قبض أرواحهم .
وربما جاء بالمعنى العرفي دون الاصطلاحي الشايع ، مثاله : " آفة الدين
ثلاثة : فقيه فاجر وإمام جائر ومجتهد جاهل " رواه الديلمي في فردوس الأخبار المسمى ب
" مأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب " والمؤلف عماد الإسلام أبو شجاع الديلمي
ألفه محذوف الأسانيد مرتبا على ترتيب الحروف . والنظر في قوله عليه السلام .
" مجتهد جاهل " وكيف يكون المجتهد جاهلا ، والصواب أن المراد بالمجتهد غير معناه
الاصطلاحي بل اللغوي وهو الذي يعبد مجدا في العبادة مع الجهل بأحكام الدين ،
والجهل هو التقدم في الأمور المبهمة بغير علم .
المحكم والمتشابه :
فالمحكم في اللغة : المتقن ، وفي العرف هو الخطاب الدال على معنى لا يحتمل
غيره ، والمتشابه خلافه ، والمحكم على هذا التفسير مختص بالنص ، والمتشابه يتناول
الظاهر والمأول والمجمل ، فإن كل واحد من هذه الثلاثة يحتمل غيره إلا أن ذلك الغير
في الظاهر مرجوح وفي المأول راجح في المجمل مساو ، وقيل : المحكم ما اتضح دلالته وهو
بهذا المعنى يتناول النص والظاهر ، والمتشابه يتناول المأول والمجمل ، وقد تقدم .
أما الصريح والظاهر فمثالهما :
ما رواه الشيخ في التهذيب ( في الزيادات باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس
بالرقم 29 ) مسندا " عن معاوية بن عمار قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
الثياب السابرية تعملها المجوس وهم أخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك
الحال ، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها ؟ قال : نعم ، قال معاوية : فقطعت له قميصا
وخطته وفتلت له إزرارا ورداء من السابري ، ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع
دراسات في علم الدراية — صفحة 253
مساهمون: علي أكبر الغفاري
ص٢٥٣