ولكن القوم أبوا عليه إلا أن يلي الحكم ، وربما رأى عليه السلام انه إذا لم
يستجب لهم فربما توثب على حكم المسلمين من لا يصلح له ، فيزيد الفساد
فسادا ، ورجا أن يخرج بالناس من واقعهم الاجتماعي التعس الذي أحلتهم فيه
اثنتا عشرة سنة مضت عليهم في خلافة عثمان ، إلى واقع أنبل وأحفل بمعاني
الاسلام ، وهكذا استجاب لهم ، فبويع خليفة للمسلمين .
ولقد دأب ، بعد أن بويع ، على بيان الهدف الذي ابتغى من وراء ولاية
الحكم ، وذلك بأن يكون في مركز يمكنه من أن يصلح ما يفتقر إلى الاصلاح
من شؤون الناس ، وأن يرفع عن المظلومين فادح ما رزحوا تحته من ظلم ، فتراه
يقول :
( . أما والذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ( 1 ) ،
لولا حضور الحاضر ( 2 ) وقيام الحجة بوجود
الناصر ( 3 ) ، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا
على كظة ( 4 ) ظالم ولا سغب ( 5 ) مظلوم ،
لألقيت حبلها على غاربها ( 6 ) ، ولسقيت آخرها
هامش
( 1 ) برأ : خلق . والنسمة : الروح .
( 2 ) من حضر لبيعته من الناس .
( 3 ) أي أنه مع وجود المقاتلين الناصرين للحق لا يجوز القعود عن التصدي للقيام بمهمات
الحكم والاصلاح . فوجود الأنصار على الحق حجة على القائد لابد معها من الحركة والقيام بالامر .
( 4 ) الكظة : ما يعتري الآكل من الضيق عند امتلاء البطن بالطعام . والمراد هنا تعدي الظالم
على حقوق الناس .
( 5 ) السغب : شدة الجوع . والمراد هنا هضم حقوق الضعيف .
( 6 ) الغارب : الكاهل ، الناقة حين يتركها قائدها فلا يقودها يرخي لها الخطام ، فالكلام
تصوير للترك وإرسال الامر .