وصيانتها بأنفسهم . وهكذا ، رويدا رويدا انقطعت الصلة بينهم وبين الرموز
المعنوية التي يجب أن تقود حياتهم .
والسبيل إلى تلافي هذا الفساد كله هو إشعار الناس أن حكما صحيحا يهيمن
عليهم ، لتعود إلى الناس ثقتهم الزائلة بحكامهم .
ولكن شيئا كهذا لم يكن سهلا قريب المنال ، فهناك طبقات ناشئة لا تسيغ
مثل هذا ، ولذلك فهي حرية أن تقف في وجه كل برنامج إصلاحي وكل محاولة
تطهيرية ، ولذلك أبى عليهم قبول الحكم ، لأنه قدر - وقد أصاب - انه
سيلاقي معارضة عنيفة من كل طبقة تجد صلاحها في أن يبقى الفساد على حاله .
لأجل هذا قال للجماهير يوم هرعت إليه تسأله أن يلي الحكم :
( دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون أمرا
له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت
عليه العقول ( 1 ) ، وإن الآفاق قد أغامت ( 2 )
والمحجة قد تنكرت ( 3 ) ، واعلموا اني إن
أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى
قول القائل ، وعتب العاتب ، وإن تركتموني
فأنا كأحدكم ، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن
وليتموه أمركم ، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني
أميرا ) ( 4 ) .
هامش
( 1 ) لا تصبر له ، ولا تطيق احتماله .
( 2 ) أغامت : غطيت بالغيم .
( 3 ) المحجة : الطريق المستقيمة . تنكرت : تغيرت معالمها فصارت مجهولة .
( 4 ) نهج البلاغة ، رقم النص : 90 .