فوجدوه خياطا فسئل عن ذلك فقال ما كذبت انه لطويل الجلوس جيد الطعن بالإبرة فقال أبو إسحق بل لعمري لقد كذب لأنه قد غرهم منه وكذلك لو سأله رجل عن رجل يريد أن يسلفه مالا عظيما فقال هو يملك مالا كان يبيعه بمائة الف ومائة الف فلما بايعه الرجل وجده معدما ضعيف الحيلة فلما قيل له في ذلك قال ما كذبت لأنه يملك عينيه وأذنيه وأنفه وشفتيه حتى عد جميع أعضائه وجوارحه
ومن قال للمستشير هذا القول فقد غره وذلك مما لا يحل في دين ولا يحسن في الحرية وهذا القول معصية لله تعالى والمعصية لا تكون صدقا وأدنى منازل هذا الخبر لا يسمى صدقا فأما التسمية له بالكذب فان فيها كلاما يطول
ومن الخطباء المشهورين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الاهتمي زعموا جميعا انه كان عند أبي العباس أمير المؤمنين وكان من سماره وأهل المنزلة عنده ففخر عليه ناس من بلحارث بن كعب وأكثروا في القول فقال أبو العباس لم لا تتكلم يا خالد فقال أخوال أمير المؤمنين وعصبته قال فأنتم أعمام أمير المؤمنين وعصبته قال خالد وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد وراكب عرد دل عليهم هدهد وغرقتهم فأرة وملكتهم امرأة
فلئن كان خالد قد فكر وتدبر هذا الكلام انه للرواية الحافظ والمؤلف المجيد ولئن كان هذا شيئا حضرة حين حرك وبسط فما له نظير في الدنيا فتأمل هذا الكلام فإنك ستجده مليحا مقبولا وعظيم القدر جليلا ولو خطب اليماني بلسان سحبان وائل حولا كريتا ثم صك بهذه الفقرة ما قامت له قائمة
وكان أذكر الناس لأول كلامه وأحفظهم لكل شيء سلف من منطقه قال مكي بن سوادة في صفته له :
عليم بتنزيل الكلام ملقن * ذكور لما سداه أول أولا
يبذ قريع القوم في كل محفل * وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء الناس يوم ارتجاله * كأنهم الكروان عاين أجدلا
وكان يقارض شبيب بن شيبة لاجتماعهما على القرابة والمجاورة والصناعة
البيان والتبيين — صفحة 179
مساهمون: الجاحظ
ص١٧٩