ويبالغون في إنكاره الباطل وبغضه الغناء ونكيره الشديد عليه ، وقد ثبت من شكيمته أنّه كان يتعاطاه ويجوّزه « 1 » .
ولمّا وجدوا أنّ التاريخ الصحيح وما ثبت من سيرة عثمان ينفي عنه ملكة الحياء ويمثّله للمجتمع بما يضادّها ، نسجوا له النسج المبرم ، وأتوا بالمخازي ووضعت يد الافتعال فيها ما سمعت من الأفائك ، حتّى جعلوه أشدّ امّة محمّد حياء ، وأحياها وأكرمها ، حييّا تستحي منه الملائكة .
فحياء عثمان كشجاعة أبي بكر وعلم عمر سالبة بانتفاء موضوعاتها ، وهي فيهم تضاهي أمانة معاوية وعلمه الواردين فيما يعزى إليه صلّى اللّه عليه وآله من قوله : كاد أن يبعث معاوية نبيّا من كثرة علمه وائتمانه على كلام ربّي . وقوله : الامناء سبعة : اللوح والقلم وإسرافيل وميكائيل وجبريل ومحمّد ومعاوية « 2 » .
ويعرب عن أمانة معاوية ومبلغه من هذه الملكة الفاضلة ما رواه أبو بكر الهذلي قال : إنّ أبا الأسود الدؤلي كان يحدّث معاوية يوما فتحرّك فضرط .
فقال لمعاوية : استرها عليّ . فقال : نعم . فلمّا خرج حدّث بها معاوية عمرو بن العاص ومروان بن الحكم ، فلمّا غدا عليه أبو الأسود قال عمرو : ما فعلت ضرطتك يا أبا الأسود بالأمس ؟ ! قال : ذهبت كما تذهب الريح مقبلة ومدبرة من شيخ ألان الدهر أعصابه ولحمه عن إمساكها ، وكلّ أجوف ضروط . ثمّ أقبل على معاوية فقال : إنّ امرأ ضعفت أمانته ومروءته عن كتمان ضرطة لحقيق بأن لا يؤمن على أمور المسلمين « 3 » .
3 - أخرج ابن ماجة في سننه « 4 » ، عن أبي مروان محمّد بن عثمان الأموي
هامش
( 1 ) - راجع المجلّد الأوّل من كتابنا هذا : ص 336 - 345 .
( 2 ) - راجع ص 482 - 484 من كتابنا تلخيص الغدير .
( 3 ) - الأغاني 11 : 113 [ 12 / 360 ] ؛ حياة الحيوان للدميري 1 : 351 [ 1 / 500 ] ؛ محاضرات الأدباء للراغب 2 : 125 [ 3 / 275 ] .
( 4 ) - سنن ابن ماجة 1 : 53 [ 1 / 40 ، ح 109 ] .