تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وقد استشكل على ذلك قضية تخييره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بين الخمر واللبن فأجيب بأن المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحرم وتحليل ما يحل إلى اجتهاده صلى الله عليه وسلم وسداد نظره المعصوم فلما نظر فيهما أداه اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن فوافق الصواب . قلت : وأصل السؤال غير وارد إذ لا نسلم أن التخيير وقع بين مباح وحرام إذ تلك الخمرة من الجنة لا يقال لو كان كذلك لم يجتنبها لأنا نقول لما شابهت الخمرة المحرمة تجنبها وذلك أبلغ في الورع وأدق سلمنا إلا أن الخمر كانت حينئذ مباحة لأنها إنما حرمت بالمدينة بلا خلاف والإسراء كان بمكة . فإن قلت : قول جبريل عليه الصلاة والسلام له حين اختار اللبن : « أصبت » يدل على أن اختيار الخمر خطأ عصم منه صلى الله عليه وسلم قلت يؤنس فيها بالتحريم المستقبل . وهنا أمران : أحدهما : أن الغزالي في « المستصفى » عند الكلام في تعارض الأدلة أشار إلى احتمال بالتخيير وإن لم يتساويا في الرتبة لأن الوجوب إنما يناقض جواز الترك مطلقا أما جوازه بشرط فلا بدليل أن الحج واجب على التراخي وإذا أخر ثم مات قبل الأداء لم يعص إذا أخر مع العزم على الامتثال فظهر أن تركه بشرط العزم لا يناقض الوجوب بل المسافر يخير بين أن يصلي أربعا فرضا وبين أن يترك ركعتين واجبتين ويجوز تركهما ولكن بشرط قصد الترخص . ثانيهما : لا يرد على هذا الشرط التخيير بين خصال الكفارة بأنها مخير فيها وليس الجميع بواجب لأنا نقول المراد أنه ما من واحدة يمكن الإقدام عليها إلا وتقع واجبا قال القاضي وهذا مرادنا بالتساوي . الثالث : أن تكون متميزة للمكلف فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع