فليتم الصلاة ، فإن لم يدر ما يقيم أو أكثر ، فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم وإن أقام
يوما أو صلاة واحدة .
فقال له محمد بن مسلم : بلغني أنك قلت خمسا ، قال : قد قلت ذلك ، قال أبو أيوب
فقلت أنا : جعلت فداك يكون أقل من خمسة أيام ؟ قال : لا .
وأجيب عنه بنه غير دال على نية إقامة الخمسة صريحا ، لاحتمال عود
الإشارة إلى الكلام السابق ، وهو الاتمام مع العشرة ، ولا يخلو من بعد ، وأوله
الشيخ بوجهين :
أحدهما : أنه محمول على ما أما إذا
كان بمكة أو المدينة للحسن كالصحيح ( 1 )
عن محمد بن مسلم قال : سألته عن المسافر يقدم الأرض فقال : إن حدثته نفسه أن يقيم
عشرا فليتم وإن قال اليوم أخرج أو غدا أخرج ، ولا يدري ، فليقصر ما بينه وبين
شهر ، فان مضى شهر فليتم ولا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة والمدينة ، وإن أقام
بمكة والمدينة خمسا فليتم .
وثانيهما استحباب الاتمام لناوي المقام خمسة أيام ، ولا يخلو من وجه ،
والمناقشة بأن القصر عند الشيخ عزيمة فكيف يصير رخصة ضعيف ، لأنه سد لباب القول
بالتخيير بين الاتمام والقصر مطلقا مع ثبوت ذلك في مواضع لا يمكن إنكارها .
والأظهر عندي حمله على التقية ، لان الشافعي وجماعة منهم قائلون بإقامة
الأربعة ، ولا يحسبون يوم الدخول ويوم الرحيل فيتحصل خمسة ملفقة ، وسياق
الخبر أيضا يدل عليها كما لا يخفى على الخبير .
وهل يشترط في العشرة التوالي بحيث لا يخرج بينها إلى محل الترخص أم لا ؟
فيه وجهان : وقطع بالاشتراط الشهيد في البيان ( 2 ) والشهيد الثاني في جملة من كتبه
هامش
( 1 ) التهذيب ج 1 ص 316 .
( 2 ) لا اعتبار بذلك أبدا ، وذلك لان الشارع الأقدس جعل إقامة العشرة بمنزلة
الإقامة الدائمية وضعا ، ولازمه تسوية الحكم بين المقيمين والمتواطنين مطلقا في الظعن
والإقامة ، فكما أن المتوطن في بلدة أما إذا
حصل في رحله لا يضر بإقامته الخروج إلى ما دون
المسافة ، وإذا خرج إلى المسافة ثم رجع إلى رحله أتم من حين دخوله الرحل ، فهكذا
المقيم للعشرة ما دام لم يخرج إلى المسافة ، فهو على اقامته ، وإذا خرج إلى المسافة ثم
رجع إلى محل إقامته ورحله أتم قضاء لحق الإقامة .
ينص على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : من قدم قبل التروية
بعشرة أيام وجب عليه اتمام الصلاة ، وهو بمنزلة أهل مكة ، فإذا خرج إلى منى وجب عليه
التقصير ، فإذا زار البيت أتم الصلاة ، وعليه اتمام الصلاة أما إذا
رجع إلى منى حتى ينفر .
فموضع النص هو قوله عليه السلام : ( وهو بمنزلة أهل مكة ) وذلك لان حكم الاتمام
والإقامة ، يثبت بقصد الإقامة ، لا بعد الإقامة عشرة ، وإنما شرط عليه السلام القدوم إلى مكة
بعشرة أيام قبل التروية ليتحقق منه قصد الإقامة وهو واضح .
وقوله عليه السلام بعد ذلك ( فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير ، فإذا زار البيت
أتم الصلاة ، شرح لهذه القاعدة من حيث شقه الثاني أعنى انشاء سفر جديد ، فإنهم أما إذا
خرجوا
إلى منى عازما لعرفات ، فعليهم التقصير لخروجه عن حد الترخص ، وإذا جاؤوا لزيارة البيت
ودخلوا رحالهم ( على ما ستعرف الوجه في ذلك دراية ورواية ) انقطع حكم السفر وكان
على جميعهم الاتمام أما أهل مكة فإنها وطنهم واما قاصد الإقامة لاتحاد حكمه مع
المتوطنين .
وقوله عليه السلام : ( وعليه اتمام الصلاة أما إذا
رجع إلى منى حتى ينفر ) شرح لهذه
القاعدة من حيث شقه الأول أعنى الخروج إلى ما دون المسافة وأنه لا يضر بقصد الإقامة ،
فإنهم بعد ما رجعوا إلى منى لرمي الجمرات ، كانوا خارجين من مكة إلى ما دون المسافة
وكان عليهم الاتمام ، فان أنشأوا السير إلى بلادهم من منى حين النفر ، قصروا سواء مروا في
سيرهم ذلك إلى مكة أولم يمروا بها وإذا رجعوا إلى مكة ثم خرجوا منها إلى بلادهم قصروا
منها ، وهو واضح ، وسيجئ تمام الكلام في هذا الحديث في الباب الآتي تحت الرقم 10
انشاء الله تعالى .
ومن فروع هذه القاعدة ( اتحاد حكم المقيمين بالحكم الوضعي مع المتواطنين )
الإقامة بعد ثلاثين مترددا ، فإنها بمنزلة الإقامة الدائمية ، كقصد العشرة من دون اختلاف
فإذا عرض له حاجة إلى سفر لكنه لم يرتفع بعد حاجته عن محل إقامته تلك ولم يحصل على
مراده من قصد البلدة هذه ، فأبقى رحله في البلدة وأنشأ سفرا إلى بريدين ثم رجع إلى
محل إقامته تلك قصر أيابا وذهابا وأتم في محل الإقامة كسائر المقيمين .
ينص على ذلك ما رواه الشيخ باسناده عن صفوان عن إسحاق بن عمار قال : سألت
أبا الحسن عليه السلام عن أهل مكة أما إذا
زاروا ، عليهم اتمام الصلاة ؟ قال : المقيم بمكة إلى
شهر بمنزلتهم .