يكفي استيطان الوقوف العامة كالمدارس ، وذهب جماعة إلى الاكتفاء بالخاص ،
واشترط الشهيد ملك الرقبة ، فلا تجزي الإجارة ، وفيه تأمل ، وألحق العلامة ومن
تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار مقام على الدوام ، ولا بأس به .
وهل يشترط استيطان الستة أشهر قال في الذكرى الأقرب ذلك ، وهو بعيد
والأصل ما ذكرنا من شهادة العرف بأنها وطنه أو مسكنه ، ليدخل تحت الأخبار الواردة
في ذلك ، وأما ما شك في دخوله فيها فالاحتياط فيه سبيل النجاة .
13 - السرائر : نقلا من كتاب حريز بن عبد الله قال : قلت لأبي جعفر عليه السلام
أرأيت من قدم بلدة متى ينبغي له أن يكون مقصرا ، ومتى ينبغي أن يتم ؟ قال : إذا
دخلت أرضا فأيقنت أن لك فيها مقام عشرة أيام فأتم الصلاة ، فإن لم تدر ما مقامك
بها تقول غدا أخرج وبعد غد فقصر ما بينك وبين أن يمضي شهر ، فإذا تم شهر فأتم
الصلاة ، وإن أردت أن تخرج من ساعتك فأتم ( 1 ) .
هامش
( 1 ) السرائر : 472 ، ويستفاد هذا الحكم من كتاب الله عز وجل بمعونة السنة أما
الكتاب فحيث يقول عز وجل : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) والمراد
بالعاكف المقيم قطعا كما في قوله عز وجل : ( سواء العاكف فيه والباد ) . وأما السنة
فحيث امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله دعوة الآية الكريمة ، واعتكف في مسجده عشرة ، حتى أنه لم
يعتكف في سنة فقضاها في السنة بعدها عشرين : عشرة أداء وعشرة قضاء ، فصارت الاعتكاف
في محل عشرة من تمام الإقامة .
بل ويدل على ذلك بوجه أجمع قوله تعالى : ( وإذ واعدنا موسى ثلاثين ليلة
وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) أي كان يواعده كل ليلة أنه أما إذا
تم ميقاته واعتكافه
بالصوم والصلاة أنزل عليك التوراة ، وهو عليه السلام ينتظر في كل ثلاثة أيام نزول
التوراة لما كان بحسابه أن اعتكافه بالصوم والصلاة إنما يتم في ثلاث ، على ما أمرهم الله
عز وجل بالصيام ثلاثة أيام - أيام العشر : العاشر والحادي عشر والثاني عشر من كل شهر
كما مر في ج 83 ص 91 .
لكنه عليه السلام لما كان مسافرا ولم يقصد الإقامة عشرا ، كان ميقاته واعتكافه غير تامة
حتى مضى ثلاثون تمام الشهر ، وانقطع حكم السفر وصار اعتكافه وميقاته في العشرة بعدها
تاما واقعا في محله ونزل عليه التوراة فيها حكم الله عز وجل .
وهذا معنى قوله عز وجل : ( فأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) ، وفقا
لقوله عز وجل : ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ) أي كنا نواعده أربعين ليلة : كل ليلة
نقول : أما إذا
تم الاعتكاف والميقات نزل عليك التوراة ، ولم يتم الا بعد الأربعين : لم يتم
في ثلاث لان أقل الإقامة عشرة ، ولم يتم في العشرات الأول لكونه مسافرا .
وإنما لم يوح إليه بأن اعتكافه لا يتم الا بعشرة عن قصد إقامة ، ليفتتن طول ذلك قومه
قال عز وجل : ( وما أعجلك عن قومك يا موسى ؟ قال : هم أولاء على أثرى وعجلت إليك
رب لترضى ، قال : فانا قد فتنا قومك من بعدك وأصلهم السامري ) .
وذلك لان الله عز وجل واعدهم جميعا جانب الطور الأيمن ، لكن موسى عليه السلام
استبطأهم لمسيرهم بالأثقال والأطفال وخلف فيهم أخاه هارون وتعجل إلى الميقات بنفسه ،
ليتم ميقاته واعتكافه مدى سيرهم إلى الطور ، فيتوافق نزوله من الطور مع وصول قومه ،
فقد كان بخلده عليه السلام رقى قومه وهدايتهم إلى أرض القدس بنفسه ، والله عز وجل بالرصد من
افتتانهم بعد ايمانهم ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين
من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) .