كما قال : " اذكروني أذكركم " ( 1 ) و " نسوا الله فنسيهم " ( 2 ) إذ تذكير الصلاة بعد
نسيانها من ألطافه سبحانه ، ولم أر هذا الوجه في كلامهم ( 3 ) .
ثم إن الآية على الوجه الأخير الذي قويناه تدل على أن وقت القضاء الذكر
وأنه لا تكره ولا تمنع في شئ من الأوقات إلا مع مزاحمته لواجب مضيق ، ولذا
أجمع الفقهاء على أنه تقضى الفرائض في كل وقت ما لم تتضيق الحاضرة ، ولو عممنا
الصلاة بحيث تشمل الفريضة والنافلة والأمر بحيث يشمل الوجوب والندب ، دلت الآية
على جواز قضاء النافلة في أوقات الفرائض كما مر القول فيه ، وتدل عليه صحيحة
زرارة المتقدمة في الجملة .
واستدل بها أيضا على المضايقة في القضاء للامر بايقاعها عند الذكر ، والأمر
للوجوب ، وأجيب بأنه إنما يتم وأما إذا
كان الأمر للفور ، ولم يثبت ، واعترض عليه
بأن الآية على هذا الحمل دالة على تعيين زمان المأمور به ، والإخلال به يوجب
عدم الاتيان بالمأمور به ، والحقيقة ههنا وإن كانت غير مرادة ، لكن لابد من حمله
على أقرب المجازات إليها ، فيجب الاتيان بها بعد التذكر بلا فصل يعتد به ، على أن
هذا المعنى ينساق إلى الذهن في أمثال هذه المواضع عرفا .
أقول : يمكن أن يقال : على هذا الوجه لا تدل الآية إلا على أن زمان
الذكر وقت للصلاة ، وهو وقت متسع ولا تدل على أن وقته أول أوقات الذكر حتى
يحتاج إلى تلك التكلفات ، فتفطن ، وما ذكره من شهادة العرف ممنوع .
" جعل الليل والنهار خلفة " أي جعلهما ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر ،
بأن يقوم مقامه فيما كان ينبغي أن يعمل فيه أو بأن يعقبه ، يقال هما يختلفان كما
يقال : يعتقبان ، ومنه قوله : " واختلاف الليل والنهار " ( 4 ) وقيل أي جعل كلا
هامش
( 1 ) البقرة : 152 .
( 2 ) براءة : 67 .
( 3 ) هذه الوجوه تشبه بعض الوجوه السبعة التي مر البحث عنها فيما سبق .
( 4 ) آيات كثيرة منها في سورة البقرة : 164 ، آل عمران : 190 .