تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
النهار منته إلى الليل ، ويكون مكافيا لقوله تعالى ( يتبين لكم الخيط ) فان المراد هنا ترخيص الاكل من أول الليل إلى وقت التبيين ، وإذا قيل سرت إلى آخر الكوفة ، كان المتبادر منه سرت من أوله إلى آخره ، ولا يستقيم أن يجعل المبدء زمان التبيين ، لمنافاته التراخي المستفاد من ثم ، وظاهر معنى الاتمام ، ولا جزءا من النهار من غير تعيين ولا جزءا معينا من النهار مثل النصف أو الثلث وأمثالهما . وحينئذ نقول : لو كان طلوع الشمس مبدء النهار ومنتهى الليل استقام اعتبار هذه المعاني في الآية ، لان الله تعالى لما خص الترخيص بأول الليل إلى وقت الفجر ، ظهر منه وجوب الامساك في بقية الليل ثم أمر باتمام الامساك المذكور من أول النهار إلى الليل فصح معنى ثم والاتمام ، وظهر حسن التعبير بهذا النحو بخلاف ما لو كان مبدء النهار الفجر إذ لا يصح حينئذ معنى ثم ولا الاتمام إلا بالعدول عن الظاهر وارتكاب تكلف ، ولا يظهر حسن التعبير بهذا الوجه انتهى . أقول : بما قررنا انهدم أساس هذا الكلام ، وظهر بهذا الوجه حسن التقرير والنظام ، وليت شعري كيف يكون ارتكاب مثل هذه التكلفات التي تخرج الكلام إلى التعمية والالغاز ، أحسن من حمل الكلام على المجاز الشايع في كلام البلغاء ، على أنا نقول على ما قررنا لا حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز أصلا وإنما ارتكبنا لبلاغة الكلام وطراوته إذ نقول لما كان الامر السابق كافيا في الشروع في الصيام ، وقد نبههم عليه بقوله ( ليلة الصيام ) ( 1 ) وتحديد الجماع والأكل والشرب بقوله ( حتى يتبين ) أيضا كان يدل عليه كما ذكره القائل الفاضل ، فكأنه قال بعد شروعكم في الصيام بأمرنا يجب عليكم أن تتموه إلى الليل ، فأي حاجة لنا إلى ارتكاب المجاز
هامش
( 1 ) قد عرفت أن الصيام قبل نزول هذه الآية كان مستوعبا لليل والنهار عامة ولذلك قال ( أحل لكم ليلة الصيام ) وظهور قوله تعالى ( ليلة الصيام ) في أن الليل بتمامه ظرف لاحلال الرفث والأكل والشرب ، أقوى دلالة من التشبث بأن ثم للتراخي الزماني ، وقد عرفت أيضا أنه لو كان أول الصوم واقعا في آخر الليل الماضي ، لقال ( ثم أتموا الصيام إلى الليل القابل ) .