ويمكن أن يجاب عنه بوجوه : الأول أن يقال يجوز أن يكون هذا مما
استثني من الكذب ، سوغ لنا رحمة منه على الموتى ، ليصير سببا لغفرانهم ، كما
جاز في الاصلاح بين الناس بل نقول : هذا أيضا كذب في الصلاح ، وقد ورد في
الخبر أن الله يحب الكذب في الصلاح ، ويبغض الصدق في الفساد .
الثاني أن يخصص الخير والشر بالعقايد ، لكن الترديد المذكور بعده
لا يلائمه .
الثالث أن يقال إن شرهم غير معلوم ، لاحتمال توبتهم أو شمول عفو الله أو
الشفاعة لهم مع معلومية إيمانهم .
فان قيل : كما أن شرهم غير معلوم ، بناء على تلك الاحتمالات فكذا خيرهم
أيضا غير معلوم ، فما الفرق بينهما ؟ قلنا يمكن أن يقال بالفرق بينهما في العلم
الشرعي ، فانا مأمورون بالحكم بالايمان الظاهري وباستصحابه بخلاف الشرور
والمعاصي ، فانا أمرنا بالاغضاء عن عيوب الناس ، وحمل أعمالهم وأقوالهم
على المحامل الحسنة ، وإن كانت بعيدة ، فليس لنا الحكم فيها بالاستصحاب ،
وقيل : المراد بالخير الخير الظاهري ، وبالشر الشر الواقعي ، ولا يخفى بعده .
الرابع أن يخصص هذا الدعاء بالصلاة على المستورين الذين لا يعلم منهم
ذنب ، وهو بعيد جدا . وقال العلامة - رحمه الله - في المنتهى لو لم يعرف الميت
لم يقل : اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا ، لأنه يكون كذبا بل يقول ما رواه
الشيخ ( 1 ) عن ثابت بن أبي المقدام قال : كنت مع أبي جعفر عليه السلام فإذا بجنازة
لقوم من جيرته ، فحضرها وكنت قريبا منه ، فسمعته يقول " اللهم إنك خلقت
هذه النفوس وأنت تميتها وأنت تحييها ، وأنت أعلم بسرائرها وعلانيتها منا ،
ومستقرها ومستودعها ، اللهم وهذا بدن عبدك ولا أعلم منه سوء ، وأنت أعلم به
وقد جئناك شافعين له بعد موته ، فإن كان مستوجبا فشفعنا فيه ، واحشره مع من
كان يتوالاه " وكذلك من علم منه الشر لا يقول ذلك في حقه لأنه يكون كذبا
هامش
( 1 ) التهذيب ج 1 ص 310 ، الكافي ج 3 ص 188 .