بمزجه بالمضاف ، بحيث لا يخرج من الاطلاق ، هل يجب عليه عليه المزج والطهارة
به أم يجوز له ترك المزج واختيار التيمم ؟ فجماعة من المتأخرين كالعلامة
وأتباعه على الأول ، وجمع من المتقدمين كالشيخ وأتباعه على الثاني ، ولعل ابتناء
القولين على التفسيرين السابقين ، فالأول على الثاني ، والثاني على الأول ، إذ
يصدق على من هذا حاله أنه غير واجد لما يكفيه للطهارة على الأول ، فيندرج
تحت قوله سبحانه " فلم تجدوا ماء " بخلاف الثاني فإنه متمكن منه .
وبعض المحققين بنى القول الأول على كون الطهارة بالماء واجبا مطلقا
فيجب المزج إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به - وهو مقدور - واجب ، والثاني على
أنها واجب مشروط بوجود الماء وتحصيل مقدمة الواجب المشروط غير واجب .
واعلم أن ههنا إشكالا مشهورا وهو أنه سبحانه جمع بين هذه الأشياء في
الشرط المرتب عليه جزاء واحد هو الامر بالتيمم : مع أن سببية الأولين للترخص
بالتيمم والثالث والرابع لوجوب الطهارة عاطفا بينها بأو : المقتضية لاستقلال كل
واحد منها في ترتب الجزاء ، مع أنه ليس كذلك إذ متى لم يجتمع أحد الآخرين
مع واحد من الأولين ، لم يترتب الجزاء وهو وجوب التيمم ( 1 ) .
هامش
( 1 ) هذا الاشكال - وهكذا سائر الاشكالات التي تورد على الآيات الكريمة وبالخصوص
آيات الاحكام - إنما ينشأ من حمل ألفاظ القرآن على عرف الشرع مع أن عرف الشرع
إنما تحقق بعد نزول الآيات واستنباط الحكم منها . فالقرآن الكريم نزل بلسان عربي
مبين : يبين بنفسه ما تضمنه من الاحكام وغيرها واللازم أن تحمل ألفاظها على حقيقة معانيها
من دون تصرف فيها .
فكما أشرنا قبل ذلك ، المريض في باب الطهارة هو الذي يضر به الماء وعابر
السبيل ومن كان على سفر : هو الذي تلبس بالضرب في الأرض وهو بعد على ظهر الطريق
والجنابة هي الحالة التي تتعقب انزال المنى - سواء كان بالاحتلام أو الاستمناء أو الجماع ،
والذي جاء من الغائط هو الذي راح إلى البراز فبال أو خرء أو أخرج الفسوة من معائه ،
واللامس للنساء هو الذي باشر زوجته في القبل بالجماع أنزل أو لم ينزل ، بمعنى أن
الانزال خارج عن مفهوم الملامسة .
فمعنى آية النساء : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة ( ولا الصلوات بمعنى المساجد
على ما عرفت فيما سبق ) وأنتم سكارى ، ولا جنبا حتى تغتسلوا وتتطهروا - الا حال كونكم
عابري سبيل على ظهر الطريق لا يمكنكم التخلف عن القافلة لاستعمال الماء ( ومثله من يسافر
في السكك الحديدية ) فيجوز لكم الدخول في الصلوات ( بكلا المعنيين ) الا أنه يجب عليكم
حينئذ التيمم كما سنبينه بعدئذ .
" وان كنتم مرضى " أي هذا الذي ذكرنا من حكم الاغتسال والتطهر مخصوص بحال
الاختيار ، واما ان كنتم حين الجنابة مرضى يضر بكم استعمال الماء " أو على سفر " لا يمهلكم
الاستعجال لتخلون وتغتسلون .
" أو جاء أحد منكم من الغائط " أو هنا يفيد بقرينة المقام الاضراب ، حيث إن المجيئ
من الغائط وهو الحدث الأصغر يقابل الجنابة وهي الحديث الأكبر ، فكأنه أضرب واستأنف
عنوان المحدث بالحدث الأصغر وقال : أو لم تكونوا جنبا ، بل جاء أحد منكم من الغائط
" أو لامستم النساء " بالمباشرة والتقاء الختانين فلم تجدوا ماء للتطهير والوضوء فتيمموا
صعيدا طيبا .
ومثلها آية المائدة لكنها أوضح من آية النساء ، والمعنى : يا أيها الذين آمنوا إذا
قمتم إلى الصلاة فتوضأوا وان كنتم جنبا فاطهروا ، فيفيد بالمقابلة أن الوضوء إنما يجب
على من لم يكن جنبا ، بل كان محدثا بالحدث الأصغر ، كما يفهم من ذيل الآية الكريمة مع
ما تقدم من نزول آية النساء .
ثم إن كنتم حين الجنابة مرضى أو على سفر إلى آخر ما مر من ذيل آية النساء .
وأما أن الجنابة غير الملامسة بمعنى التقاء الختانين فكما هو ظاهر مفهوم من اللفظ ، فهو
مسلم من السياق حيث أن الجنابة عدت منفردة كما عدت الملامسة ، فلو كانت الملامسة بمعنى
التقاء الختانين داخلة في مفهوم الجنابة وعنوانها ، لكان مستغنى عنها ، كيف وقد ذكرت
في سياق الحدث الأصغر وهو المجيئ من الغائط ، معطوفة عليه بأو المقتضية لاستقلالها ؟
على أن الجنب كما يظهر من الاخبار كان يطلق في عرف العرب ولسانهم على
من أنزل وصار قذرا بعيدا من الطهارة ، ولذلك كانوا يغتسلون منها اتباعا لسنة إبراهيم
الخليل عليه السلام ، وأما المباشرة من دون انزال وأقله بالتقاء الختانين وغيبوبة الحشفة
فلا يعدونها موجبة للقذارة ، ولذلك كانوا يختصمون ويقولون " إنما الماء من الماء " ، فعلى
هذا لا تكون الملامسة داخلة في مفهوم الجنابة لا لغة ومنطوقا ، ولا عرفا واطلاقا فوجب
الفرق بينهما .
فحكم الملامسة في حال الاضطرار كالمجئ من الغائط ، إذا لم يجدا ماء يجب
عليهما التيمم ، واما في حال الاختيار ، فالآية الكريمة ساكتة عن ذلك غير أنها ملحقة بالجنابة
بدليل السنة ، وسيجئ أخباره في الباب .