تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
وفي قوله سبحانه : " ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم " : أي من أمثالهم من البشر ، ويجوز أن يكون ذلك الشهيد نبيهم الذي ارسل إليهم ، ويجوز أن يكون المؤمنون العارفون يشهدون عليهم بما فعلوه من المعاصي ، وفي هذا دلالة على أن كل عصر لا يجوز أن يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره ، وهو عدل عند الله تعالى ، وهو قول الجبائي وأكثر أهل العدل ، وهذا يوافق ما ذهب إليه أصحابنا وإن خالفوهم في أن ذلك العدل والحجة من هو ؟ " وجئنا بك " يا محمد " شهيدا على هؤلاء " يريد على قومك وأمتك . وفي قوله تعالى : " وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه " : معناه : وألزمنا كل إنسان عمله من خير أو شر في عنقه كالطوق لا يفارقه ، وإنما قيل للعمل : طائر على عادة العرب في قولهم : جرى طائره بكذا ، وقيل : طائره يمنه وشؤمه وهو ما يتطير به ، وقيل : طائره حظه من الخير والشر ، وخص العنق لأنه محل الطوق الذي يزين المحسن ، والغل الذي يشين المسئ ، وقيل : طائره كتابه ، وقيل : معناه : جعلنا لكل إنسان دليلا من نفسه لان الطائر عندهم يستدل به على الأمور الكائنة ، فيكون معناه : كل إنسان دليل نفسه وشاهد عليها ، إن كان محسنا فطائره ميمون ، وإن أساء فطائره مشوم " ونخرج له يوم القيمة كتابا " وهو ما كتبه الحفظة عليهم من أعمالهم " يلقيه " أي يرى ذلك الكتاب " منشورا " أي مفتوحا معروضا عليه ليقرأ ويعلم ما فيه ، والهاء في " له " عائد إلى الانسان أو إلى العمل ، ويقال له : " اقرأ كتابك " قال قتادة : ويقرء يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا " كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا " أي محاسبا ، وإنما جعله محاسبا لنفسه لأنه إذا رأى أعماله يوم القيامة كلها مكتوبة ورأي جزاء أعماله مكتوبا بالعدل أذعن عند ذلك وخضع واعترف ، ولم يتهيأ له حجة ولا إنكار ، وظهر لأهل المحشر أنه لا يظلم . وفي قوله تعالى : " كل أولئك كان عنه مسؤولا " : معناه أن السمع يسأل عما سمع ، والبصر عما رأى : والقلب عما عزم عليه ، والمراد أن أصحابها هم المسؤولون ولذلك قال : " كل أولئك " وقيل : بل المعنى : كل أولئك الجوارح يسأل عما