المدى ، يأخذها السابق من الفرسان وكأن الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف
وقيل : هو من قولهم رفع البعير في مسيره بالغ أي يرفع إليها .
" يسر المضمار " في النهاية تضمير الخيل هو أن تضامر عليها بالعلف ، حتى
يسمن ، ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف ، وقيل : تشد عليها سروجها وتجلل بالاجلة
حتى تعرق فيذهب رهلها ( 1 ) ويشتد لحمها ، وفي حديث حذيفة " اليوم مضمار
وغدا السباق " أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة ، والمضمار الموضع الذي
تضمر فيه الخيل ، ويكون وقتا للأيام التي تضمر فيها ، وفي القاموس المضمار :
الموضع الذي يضمر فيه الخيل ، وغاية الفرس في السباق انتهى ، والحاصل أن
المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق وزمانه ، وعلى الميدان الذي
يسابق فيه .
شبه عليه السلام أهل الاسلام بالخيل التي تجمع للسباق ، ومدة عمر الدنيا بالميدان
الذي يسابق فيه ، والموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان ، فان ما يتسابق فيه من
الأعمال الصالحة إنما هو قبل الموت ، والقيامة موضع تجمع فيه الخيل بعد السباق
ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه ، ويظهر خسران من تأخر ، والجنة بالسبقة ،
والنار بما يلحق المتأخر من الحرمان والخسران ، أو شبه عليه السلام الدنيا بزمان تضمير
الخيل أو مكانه ، والقيامة بميدان المسابقة ، فمن كان تضميره في الدنيا أحسن ، كانت
سبقته في الآخرة أكثر ، كما ورد التشبيه كذلك في قوله عليه السلام في خطبة أخرى :
" ألا وإن اليوم المضمار ، وغدا السباق ، والسبقة الجنة ، والغاية النار " ( 2 ) ولكن ينافيه
ظاهرا قوله : " والموت غايته " إلا أن يقال : المراد بالموت ما يلزمه من دخول
الجنة أو النار ، إشارة إلى أن آثار السعادة والشقاوة الأخروية تظهر عند الموت
كما ورد " ليس بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت " وعلى التقديرين المراد
بقوله : " يسير المضمار " قلة مدته وسرعة ظهور السبق وعدمه : أو سهولة قطعه
وعدم وعورته أو سهولة التضمير فيه وعدم صعوبته لقصر المدة وتهيئ الأسباب من
هامش
( 1 ) الرهل : محركة : استرخاء اللحم ، والرخاوة مع انتفاخ .
( 2 ) تحت الرقم 28 من خطب النهج .