تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة ، حتى أنه لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى . وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة ، فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ، ويعدم لذة الأصوات واللحون الشجية المطربة ، ويعظم المؤنة على الناس في محاورته حتى يتبرموا ( 1 ) به ، ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم ، حتى يكون كالغائب وهو شاهد ، أو كالميت وهو حي . فأما من عدم العقل فإنه يلحق بمنزلة البهائم ، بل يجهل كثيرا مما يهتدي إليه البهائم ! أفلا ترى كيف صارت الجوارح والعقل وسائر الخلال التي بها صلاح الانسان ، والتي لو فقد منها شيئا لعظم ما يناله في ذلك من الخلل ، يوافي خلقه على التمام حتى لا يفقد شيئا منها . فلم كان كذلك إلا لأنه خلق بعلم وتقدير . قال المفضل : فقلت : فلم صار بعض الناس يفقد شيئا من هذه الجوارح فيناله في ذلك مثل ما وصفته يا مولاي ؟ قال عليه السلام : ذلك للتأديب والموعظة لمن يحل ذلك به ولغيره بسببه ، كما قد يؤدب الملوك الناس للتنكيل والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم بل يحمد من رأيهم ويصوب من تدبيرهم . ثم إن للذين تنزل بهم هذه البلايا من الثواب بعد الموت إن شكروا وأنابوا لما ( 2 ) يستصغرون معه ما ينالهم منها ، حتى أنهم لو خيروا بعد الموت لاختاروا أن يردوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب . فكر يا مفضل في الأعضاء التي خلقت أفرادا وأزواجا وما في ذلك من الحكمة والتقدير والصواب في التدبير . فالرأس مما خلق فردا ، ولم يكن للانسان صلاح في أن يكون أكثر من واحد . ألا ترى أنه لو أضيف إلى رأس الانسان رأس آخر لكان ثقلا عليه من غير حاجة إليه ، لان الحواس التي يحتاج إليها مجتمعة في رأس واحد . ثم كان الانسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان ، فإن تكلم من أحدهما كان الآخر معطلا لا إرب فيه ولا حاجة إليه ، وإن تكلم منهما جميعا بكلام واحد كان أحدهما فضلا لا يحتاج إليه ، وإن تكلم بأحدهما بغير الذي تكلم به من الآخر لم يدر السامع بأي
هامش
( 1 ) أي يتضجروا . ( 2 ) ما ( خ ) .