تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
أو الصفة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو المجموع ، وأما النطق فإنه واف بتعريف كل واحدة من هذه الأحوال بعينها . والقسم الثالث : الكتابة ، وظاهر أنه المؤنة في إدخالها في الوجود صعبة ، ومع ذلك فإنها مفرعة على النطق ، وذلك لأنا لو افتقرنا إلى أن نصنع لتعريف كل معنى من المعاني البسيطة والمركبة نقشا لافتقرنا إلى حفظ نقوش غير متناهية ، وذلك غير ممكن ، فدبروا فيه طريقا لطيفا وهو أنهم وضعوا بإزاء كل واحد من الحروف النطقية البسيطة نقشا خاصا ، ثم جعلوا النقوش المركبة في مقابلة الحروف المركبة فسهلت المؤونة في الكتابة بهذا الطريق ، إلا أن على هذا التقدير صارت الكتابة مفرعة على النطق ، إلا أنه حصل في الكتابة منفعة عظيمة ، وهي أن عقل الانسان الواحد لا يفي باستنباط العلوم الكثيرة ، فالانسان الواحد إذا استنبط مقدارا من العلم وأبثته في الكتاب بواسطة الكتابة فإذا جاء بعده انسان آخر ووقف عليه قدر على استنباط أشياء اخر زائدة على ذلك الأول ، فظهر أن العلوم إنما كثرت بإعانة الكتابة ، فلهذا قال عليه السلام : قيدوا العلم بالكتابة . فهذا بيان حقيقة النطق والإشارة والكتابة .
البحث الثاني مما يتعلق بهذا الباب أن المشهور أنه يقال في حد الانسان : إنه حيوان ناطق فقال بعضهم : إن هذا التعريف باطل طردا وعكسا . أما الطرد فلان بعض الحيوانات قد تنطق ، وأما العكس فهو بعض الناس لا ينطق ، فأجيب عنه : بأن المراد منه النطق العقلي ، ولم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيرا ملخصا ، فنقول الحيوان نوعان : منه ما إذا عرف شيئا فإنه لا يقدر على أن يعرف غيره حال نفسه مثل البهائم وغيرها ، فإنها إذا وجدت من نفسها أحوالا مخصوصة لا تقدر على أن تعرف غيرها تلك الأحوال ، وأما الانسان فإذا وجد من نفسه حالة مخصوصة قدر على أن يعرف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه ، فالناطق الذي جعل فصلا مقوما هو هذا المعنى ، والسبب فيه أن أكمل طرق التعريف هو النطق ، فعبر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها ، وبهذا التقرير فإن تلك السؤال لا يتوجه والله أعلم بالصواب .