تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
كل ما يكون لذيذا عندها نافرة عن كل ما يكون مؤلما عندها ، فوجب أن يتقرر عندها أن كل لذيذ مطلوب ، وأن كل مؤلم مكروه . فأجيب عنه : بأن رغبتها إنما يكون في هذا اللذيذ ، فكل لذيذ حضر عنده فإنه يرغب فيه من حيث إنه ذلك الشئ ، فأما أن يعتقد أن كل لذيذ فهو مطلوب فهذا ليس عنده . واعلم أن الحكم في هذه الأشياء بالنفي والاثبات حكم على الغيب ، والعلم بها ليس إلا لله العلي العليم ، والله أعلم . الفصل الثاني والعشرون في بيان أن اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية . اعلم أن الغالب على الطباع العامية أن أقوى اللذات وأكمل السعادات لذة المطعم والمنكح ، ولذلك فإن جمهور الناس لا يعبدون الله إلا ليجدوا المطاعم اللذيذة في الآخرة ، وإلا ليجدوا المناكح الشهية هناك . وهذا القول مردود عند المحققين من أهل الحكمة وأرباب الرياضة ، ويدل عليه وجوه : الحجة الأولى : لو كانت سعادة الانسان متعلقة بقضاء الشهوة وإمضاء الغضب لكان الحيوان الذي يكون أقوى في هذا الباب من الانسان أشرف منه ، لكن الجمل أكثر أكلا من الناس ، والذئب أقوى في الايداء من الانسان ، والعصفور أقوى على السفاد من الانسان ، فوجب كون هذه الأشياء أشرف من الانسان ، لكن التالي معلوم البطلان بالضرورة ، فوجب الجزم بأن سعادة الانسان غير متعلقة بهذه الأمور . الحجة الثانية : كل شئ يكون سببا لحصول السعادة والكمال فكلما كان ذلك الشئ أكثر حصولا كانت السعادة والكمال أكثر حصولا ، فلو كان قضاء شهوة البطن والفرج سببا لكمال حال الانسان ولسعادته لكان الانسان كلما أكثر اشتغالا بقضاء شهوة البطن والفرج وأكثر استغراقا فيه كان أعلى درجة وأكمل فضيلة ، لكن التالي باطل ، لان الانسان الذي جعل عمره وقفا على الأكل والشرب والبعال يعد من البهيمة ويقضى عليه بالدناءة والخساسة ، وكل ذلك يدل على أن الاشتغال بقضاء هاتين الشهوتين ليس من باب السعادات والكمالات ، بل من باب دفع الحاجات والآفات . الحجة الثالثة أن الانسان يشاركه في لذة الأكل والشرب جميع الحيوانات