تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
مسلم بالغ ، فأخبر عليه السلام أن من تقلد الجبر والتفويض ودان بهما فهو على خلاف الحق ، فقد شرحت الجبر الذي من دان به يلزمه الخطاء ، وأن الذي يتقلد التفويض يلزمه الباطل فصارت المنزلة بين المنزلتين بينهما ، ثم قال : وأضرب لكل باب من هذه الأبواب مثلا يقرب المعنى للطالب ويسهل له البحث عن شرحه ، تشهد به محكمات آيات الكتاب ، وتحقق تصديقه عند ذوي الألباب وبالله التوفيق والعصمة . فأما الجبر الذي يلزم من دان به الخطاء فهو قول من زعم أن الله عز وجل أجبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها ، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله في حكمه وكذبه ورد عليه قوله : " ولا يظلم ربك أحدا " وقوله : " ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد " وقوله : " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون " مع آي كثيرة في ذكر هذا ، فمن زعم أنه مجبر على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله ، وقد ظلمه في عقوبته ، ومن ظلم الله فقد كذب كتابه ، ومن كذب كتابه فقد لزمه الكفر باجتماع الأمة ، ومثل ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك نفسه ، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ، ويعلم مولاه ذلك منه ، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به من حاجته ، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن ، وقد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة ، وإظهار الحكمة ، ونفي الجور ، وأوعد عبده إن لم يأته بحاجته أن يعاقبه على علم منه بالرقيب الذي على حاجته أنه سيمنعه ، وعلم أن المملوك لا يملك ثمنها ولم يملكه ذلك ، فلما صار العبد إلى السوق وجاء ليأخذ حاجته التي بعثه المولى لها وجد عليها مانعا يمنع منها إلا بشراء وليس يملك العبد ثمنها فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته ، فاغتاظ مولاه من ذلك وعاقبه عليه ، أليس يجب في عدله وحكمته أن لا يعاقبه وهو يعلم أن عبده لا يملك عرضا من عروض الدنيا ولم يملكه ثمن حاجته ؟ فإن عاقبه عاقبه ظالما متعديا عليه ، مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته ، وإن لم يعاقبه كذب نفسه في وعيده إياه حين أوعده بالكذب والظلم اللذين ينفيان العدل والحكمة ، تعالى عما يقولون علوا كبيرا ، فمن دان بالجبر أو بما يدعو