تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له وذمه لهم في حياته . فإذا كان قد شهد على جماعة من أصحابه بالضلال والهلاك ، وأنهم ممن كان يحسن ظنه بهم في حياته ، ولحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي ، ثم يكون ضلالهم قد بلغ إلى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم ويختلجون دونه وتارة يبلغ غضب نبيهم عليهم إلى أن يقول سحقا سحقا ، وتارة يقال : إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم ، وتارة يشهد عليهم أبو الدرداء وأنس بن مالك وهما من أعيان الصحابة عندهم بأنه ما بقي من شريعة محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلا الاجتماع في الصلاة ثم يقول أنس وقد ضيعوا الصلاة ، وتارة يشهد نبيهم أن بعد وفاته يكون دينهم ملكا ورحمة وملكا وجبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم والمتجبر ، وتارة يشهد على قوم من أصحابه أنه يشفق عليهم ويأخذ بحجزهم عن النار ، وينهاهم مرارا بلسان الحال والمقال فيغلبونه ويسقطون فيها ، وتارة يخاف على أمته من أئمة مضلين ينزلون عليهم ، وتارة يشهد باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال واختلال الأحوال . ثم قد أدوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده إحدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمة عيسى افترقت اثنتين وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار ، وقد تضمن كتابهم " وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين " ( 1 ) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله وشهادة رسوله عندهم بضلال
هامش
( 1 ) براءة : 101 ، والآيات التي تنص على أن في المسلمين جماعة منافقين ، كثيرة ، لا وجه لسردها ، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن الله ولا رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يعرف لنا المنافقين بأسمائهم حتى يشهروا ويخذلوا ، فنحكم على أعيانهم بالكفر والفسق وعلى سائر المسلمين بالايمان والعدالة والاخلاص ، وإذا كان الامر مشتبها ، فكلما سمينا أحدا من صحابة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأردنا أن نأخذ منه دينه وسمته ونتبعه في سيرته وسنته ونحتج بحديثه عن الرسول الأمين ص جوز - العقل كونه منافقا ، فلا يصح للعاقل المحتاط لدينه أن يأخذ منه ويتبعه ويصدقه فيما يحدث عن الرسول الأعظم ، الا أن يكون الله ورسوله ص قد عرفه ونص عليه بالايمان والاخلاص والطهارة ، ولسنا نعرف بذلك الا أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) النازل فيهم آية التطهير وآية الولاية المصرح باخلاصهم وحسن طويتهم سورة الدهر وساير الآيات الكريمة النازلة فيهم وهي أكثر من أن تحصى ، لا مجال للمقام لسردها والبحث عنها . وان قلت : لم لم يعرف الله ورسوله المنافقين الخائنين ، ليحذرهم المؤمنون بعده ؟ قلت : للقوم آراء ووجوه في ذلك يطلب من مظانه ، وعندي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على علم وعمد لم يعرف المنافقين من أصحابه لينفذ بذلك إرادة الله عز وجل من بلوى الأمة واختبارهم بعده ، فان اخبار الله عز وجل وهكذا رسوله الأمين الصادق بأن في أصحابه وأمته منافقين ظاهرين يخادعون الله ورسوله ، من دون تعريف بهم ، وفى قبال ذلك نص القرآن الكريم بآية التطهير بالنسبة إلى أهل بيته مضافا إلى سائر ما ورد فيهم من آيات الله البينات وتصديق ايمانهم واخلاص طويتهم في سورة الدهر ، وهكذا هتاف الرسول بين الأمة الاسلامية بأنه من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وغير ذلك من النصوص . ففي ذلك بلوى واختبار عظيم بالنسبة إلى المؤمنين ، فمن كان يرجو الله واليوم الآخر وينصح لنفسه ، لا يقتدى بأصحابه الا بمن شهد الله ورسوله بحقيقة ايمانه وحسن طويته وعلمه وفهمه وقضائه وهم أهل بيته الذين طهرهم الله من كل رجس وأوجب ولايتهم ، ومن كان يرجو الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها لا يقتدى بمن قدمه الله وإنما يقتدى بمن لا يؤمن فيه النفاق ويخاف عليه سوء النية في متابعة الرسول طمعا في حطام الدنيا ، فليقتدوا بمن شاؤوا ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون . ومن اله لا تل على أن رسوله الأمين الكريم على عمد ونظرا إلى تنفيذ هذا الاختبار والبلوى ، لم يعرف المنافقين بأشخاصهم ، أننا نراه - صلوات الله عليه يقول لثلاثة من أصحابه فيهم سمرة ابن جندب وأبو هريرة الدوسي : " آخركم موتا في النار " راجع الاستيعاب وأسد الغابة ترجمه سمرة " فيعمى ذلك على أصحابه الآخرين لئلا يركنوا إلى أحد منهم في دينهم . وهكذا يقول لجماعة من أصحابه مجتمعين : " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " راجع البحار ج 18 ص 132 من طبعتنا هذه . وعلى ذلك فليحمل ما رواه أحمد في المسند ج 5 ص 273 ، والطبراني في الكبير على ما في مجمع الزوائد ج 1 ص 112 عن أبي مسعود قال : خطبنا رسول الله خطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ان فيكم منافقين ، فمن سميت فليقم ، ثم قال : قم يا فلان ! قم يا فلان ! قم يا فلان ! حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ، ثم قال : ان فيكم - أو منكم فاتقوا الله .
بحار الأنوار — صفحة 34 | العلامة المجلسي / محمد الباقر البهبودي