الصحاح المتضمنة لمخالفتهم له وذمه لهم في حياته .
فإذا كان قد شهد على جماعة من أصحابه بالضلال والهلاك ، وأنهم ممن
كان يحسن ظنه بهم في حياته ، ولحسن ظنه بهم قال أي رب أصحابي ، ثم يكون
ضلالهم قد بلغ إلى حد لا تقبل شفاعة نبيهم فيهم ويختلجون دونه وتارة
يبلغ غضب نبيهم عليهم إلى أن يقول سحقا سحقا ، وتارة يقال : إنهم لم يزالوا
مرتدين على أعقابهم ، وتارة يشهد عليهم أبو الدرداء وأنس بن مالك وهما من
أعيان الصحابة عندهم بأنه ما بقي من شريعة محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلا الاجتماع في الصلاة
ثم يقول أنس وقد ضيعوا الصلاة ، وتارة يشهد نبيهم أن بعد وفاته يكون دينهم ملكا
ورحمة وملكا وجبرية على عادة الملوك المتغلبين ففيهم الرحيم والمتجبر ، وتارة يشهد
على قوم من أصحابه أنه يشفق عليهم ويأخذ بحجزهم عن النار ، وينهاهم مرارا
بلسان الحال والمقال فيغلبونه ويسقطون فيها ، وتارة يخاف على أمته من أئمة
مضلين ينزلون عليهم ، وتارة يشهد باتباع ما أتى به القرون السالفة في الضلال
واختلال الأحوال .
ثم قد أدوا عنه بغير خلاف من المسلمين أن أمة موسى افترقت بعده
إحدى وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمة عيسى افترقت اثنتين
وسبعين فرقة واحدة ناجية والباقون في النار ، وأمته تفترق ثلاثا وسبعين فرقة
واحدة ناجية واثنتان وسبعون في النار ، وقد تضمن كتابهم " وممن حولكم من
الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم
مرتين " ( 1 ) فكيف يجوز لمسلم أن يرد شهادة الله وشهادة رسوله عندهم بضلال
هامش
( 1 ) براءة : 101 ، والآيات التي تنص على أن في المسلمين جماعة منافقين ، كثيرة ،
لا وجه لسردها ، ولكن ينبغي الإشارة إلى أن الله ولا رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يعرف لنا المنافقين بأسمائهم
حتى يشهروا ويخذلوا ، فنحكم على أعيانهم بالكفر والفسق وعلى سائر المسلمين بالايمان
والعدالة والاخلاص ، وإذا كان الامر مشتبها ، فكلما سمينا أحدا من صحابة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأردنا
أن نأخذ منه دينه وسمته ونتبعه في سيرته وسنته ونحتج بحديثه عن الرسول الأمين ص جوز -
العقل كونه منافقا ، فلا يصح للعاقل المحتاط لدينه أن يأخذ منه ويتبعه ويصدقه فيما يحدث
عن الرسول الأعظم ، الا أن يكون الله ورسوله ص قد عرفه ونص عليه بالايمان والاخلاص
والطهارة ، ولسنا نعرف بذلك الا أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) النازل فيهم آية التطهير وآية الولاية المصرح
باخلاصهم وحسن طويتهم سورة الدهر وساير الآيات الكريمة النازلة فيهم وهي أكثر من أن
تحصى ، لا مجال للمقام لسردها والبحث عنها .
وان قلت : لم لم يعرف الله ورسوله المنافقين الخائنين ، ليحذرهم المؤمنون بعده ؟ قلت :
للقوم آراء ووجوه في ذلك يطلب من مظانه ، وعندي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على علم وعمد لم يعرف
المنافقين من أصحابه لينفذ بذلك إرادة الله عز وجل من بلوى الأمة واختبارهم بعده ، فان
اخبار الله عز وجل وهكذا رسوله الأمين الصادق بأن في أصحابه وأمته منافقين ظاهرين يخادعون
الله ورسوله ، من دون تعريف بهم ، وفى قبال ذلك نص القرآن الكريم بآية التطهير بالنسبة
إلى أهل بيته مضافا إلى سائر ما ورد فيهم من آيات الله البينات وتصديق ايمانهم واخلاص طويتهم
في سورة الدهر ، وهكذا هتاف الرسول بين الأمة الاسلامية بأنه من كنت مولاه فهذا على مولاه
اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وغير ذلك من النصوص .
ففي ذلك بلوى واختبار عظيم بالنسبة إلى المؤمنين ، فمن كان يرجو الله واليوم الآخر
وينصح لنفسه ، لا يقتدى بأصحابه الا بمن شهد الله ورسوله بحقيقة ايمانه وحسن طويته وعلمه
وفهمه وقضائه وهم أهل بيته الذين طهرهم الله من كل رجس وأوجب ولايتهم ، ومن كان يرجو
الحياة الدنيا وزينتها وزخرفها لا يقتدى بمن قدمه الله وإنما يقتدى بمن لا يؤمن فيه النفاق ويخاف
عليه سوء النية في متابعة الرسول طمعا في حطام الدنيا ، فليقتدوا بمن شاؤوا ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعضه فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون .
ومن اله لا تل على أن رسوله الأمين الكريم على عمد ونظرا إلى تنفيذ هذا الاختبار والبلوى ،
لم يعرف المنافقين بأشخاصهم ، أننا نراه - صلوات الله عليه يقول لثلاثة من أصحابه فيهم سمرة
ابن جندب وأبو هريرة الدوسي : " آخركم موتا في النار " راجع الاستيعاب وأسد الغابة ترجمه
سمرة " فيعمى ذلك على أصحابه الآخرين لئلا يركنوا إلى أحد منهم في دينهم .
وهكذا يقول لجماعة من أصحابه مجتمعين : " أحدكم ضرسه في النار مثل أحد " راجع
البحار ج 18 ص 132 من طبعتنا هذه .
وعلى ذلك فليحمل ما رواه أحمد في المسند ج 5 ص 273 ، والطبراني في الكبير على
ما في مجمع الزوائد ج 1 ص 112 عن أبي مسعود قال : خطبنا رسول الله خطبة فحمد الله
وأثنى عليه ثم قال : ان فيكم منافقين ، فمن سميت فليقم ، ثم قال : قم يا فلان ! قم يا فلان ! قم
يا فلان ! حتى سمى ستة وثلاثين رجلا ، ثم قال : ان فيكم - أو منكم فاتقوا الله .