مهيرة « 1 » وامّ ولد ، فقال له : أنفق عليهما حتّى أقدم ؛ فلمّا كان في هذه الليلة وضعتا جميعا إحداهما ابنا والأخرى بنتا ، وكلتاهما تدّعي الابن وتنتفي من البنت من أجل الميراث . فقال له : بم قضيت بينهما ؟ فقال شريح : لو كان عندي ما أقضي به بينهما لم آتكم بهما . فأخذ عليّ تبنة من الأرض فرفعها فقال : إنّ القضاء في هذا أيسر من هذه . ثمّ دعا بقدح فقال لإحدى المرأتين : احلبي فحلبت ، فوزنه . ثمّ قال للأخرى : احلبي فحلبت ، فوزنه ؛ فوجده على النصف من لبن الأولى ؛ فقال لها : خذي أنت ابنتك ، وقال للأخرى : خذي أنت ابنك .
ثمّ قال لشريح : أما علمت أنّ لبن الجارية على النصف من لبن الغلام ؟ وأنّ ميراثها نصف ميراثه ؟ وأنّ عقلها نصف عقله ؟ وأنّ شهادتها نصف شهادته ؟
وأنّ ديتها نصف ديته ؟ وهي على النصف في كلّ شيء . فأعجب به عمر إعجابا شديدا ثمّ قال : أبا حسن ! لا أبقاني اللّه لشدّة لست لها ولا في بلد لست فيه « 2 » .
- 36 - اجتهاد الخليفة في الطلاق الثلاث
عن ابن عبّاس ، قال : كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأبي بكر وسنتين - وسنين - من خلافة عمر رضى اللّه عنه طلاق الثلاث واحدة ؛ فقال عمر رضى اللّه عنه : إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم ؛ فأمضاه عليهم « 3 » .
قال الأميني : إنّ من العجب أن يكون استعجال الناس مسوّغا لأن يتّخذ الإنسان كتاب اللّه وراءه ظهريّا ويلزمه بما رأوا . هذا الذكر الحكيم يقول بكلّ صراحة :
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ
إلى قوله تعالى :
هامش
( 1 ) - « المهيرة » من النساء : الحرّة الغالية المهر ، جمعها مهائر .
( 2 ) - كنز العمّال 3 : 179 [ 5 / 830 ، ح 14508 ] .
( 3 ) - مسند أحمد 1 : 314 [ 1 / 516 ، ح 2870 ] ؛ صحيح مسلم 1 : 574 [ 3 / 276 ، ح 15 ، كتاب الطلاق ] .