اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
خذل ( 1 ) بين اليهود وبين قريش ، فإنه أوقع عندي ، قال : فتأذن لي أن أقول
فيك : ما أريد ؟ قال : قل ما بدا لك ، فجاء إلى أبي سفيان فقال له : تعرف مودتي
لكم ونصحي ومحبتي ان ينصركم الله على عدوكم ، وقد بلغني أن محمدا قد وافق
اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم ، ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد
عليهم جناحهم الذي قطعه بني النضير وقينقاع ، فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا
عسكركم ( 2 ) حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا بهم إلى مكة ، فتأمنوا مكرهم
وغدرهم ، فقال له أبو سفيان : وفقك الله وأحسن جزاءك ، مثلك أهدى ( 3 ) النصائح ،
ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ولا أحد من اليهود ، ثم جاء من فوره ذلك إلى بني
قريظة فقال له : يا كعب تعلم مودتي لكم ، وقد بلغني أن أبا سفيان قال : نخرج
هؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد ، فإن ظفروا كان الذكر لنا ( 4 ) ، وإن كانت علينا
كانوا هؤلاء مقاديم الحرب ، فلا أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا
منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم ، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا
حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم ، لأنه إن ولت قريش
ولم يظفروا بمحمد غزاكم محمد فيقتلكم ( 5 ) ، فقالوا : أحسنت وأبلغت في النصيحة ،
لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا .
وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا : هذه مكيدة ما كانت العرب
تعرفها قبل ذلك ، فقيل لهم : هذا من تدبير الفارسي الذي معه ( 6 ) ، فوافى عمرو بن
هامش
( 1 ) في المصدر : اخذل .
( 2 ) في عسكركم خ ل .
( 3 ) من أهدى خ ل .
( 4 ) لنادونهم خ ل .
( 5 ) فقتلكم خ ل .
( 6 ) في الامتاع : وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدوا أبو سفيان بن حرب في أصحابه
يوما ، وخالد بن الوليد يوما ، ويغدو عمرو بن العاص يوما ، وهبيرة بن أبي وهب يوما ،
وعكرمة بن أبي جهل يوما ، وضرار بن الخطاب الفهري يوما ، فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون
مرة ويجتمعون مرة أخرى . ويناوشون المسلمين ، ويقدمون رماتهم فيرمون ، وإذا أبو سفيان في
خيل يطيفون بمضيق من الخندق فرماهم المسلمون حتى رجعوا وكان عباد بن بشر الزم الناس
لقبة رسول الله صلى الله عليه وآله يحرسها ، وكان أسيد بن حضير يحرس في جماعة ، فإذا عمرو
ابن العاص في نحو المائة يريدون العبور من الخندق ، فرماهم حتى ولوا ، وكان المسلمون
يتناوبون الحراسة وكانوا في قر شديد وجوع ، وكان عمرو بن العاص وخالد بن الوليد كثيرا ما
يطلبان غرة ومضيقا من الخندق يقتحمانه ، فكانت للمسلمين معهما وقائع في تلك الليالي .