أوسطنا نسبا " ، وهو ابن أخي هذا الرجل ، يعنون أبا طالب ، وهو من ولد عبد المطلب ،
فقام الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وقال : والله أن كان بنا للوم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ، والغمامة تسير على
رأسه ، وجعل بحيرا يلحظه لحظا " شديدا " ، وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده
من صفته ، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال : يا غلام أسألك بحق اللات
والعزى إلا أخبرتني عما أسألك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا تسألني باللات والعزى ، فوالله
ما أبغضت شيئا " بغضهما ، قال : بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ، قال : سلني عما بدا لك ،
فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره فيوافق ذلك
ما عنده ، ثم جعل ينظر بين عينيه ، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على
موضع الصفة التي عنده ، فقبل موضع الخاتم ، وقالت قريش : إن لمحمد صلى الله عليه وآله عند هذا
الراهب لقدرا " ، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب يخاف على ابن أخيه ، قال الراهب
لأبي طالب : ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب : ابني ، قال : ما هو ابنك ، وما ينبغي لهذا
الغلام أن يكون أبوه حيا " ، قال : فابن أخي ، قال : فما فعل أبوه ؟ قال : هلك وأمه
حبلى به ، قال : فما فعلت أمه ؟ قال : توفيت قريبا " ، قال : صدقت ، ارجع بابن أخيك إلى
بلده ، واحذر عليه اليهود ، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبلعنه ( 1 ) غثا " ، فإنه
كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، نجده في كتبنا ، وما روينا عن آبائنا ، واعلم أني قد
أديت إليك النصيحة ، فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا " ، وكان رجال من يهود
قد رأوا رسول الله صلى الله عليه وآله وعرفوا صفته فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره ،
فنهاهم أشد النهي ، وقال لهم : أتجدون صفته ؟ قالوا : نعم ، قال : فما لكم إليه سبيل ،
فصدقوه وتركوه ، ورجع به أبو طالب ، فما خرج به سفرا " بعد ذلك خوفا " عليه .
وكان في سنة أربع عشرة من مولده صلى الله عليه وآله الفجار الاخر بين هوازن وقريش ، وحضره
رسول الله صلى الله عليه وآله .
وفي سنة سبع عشرة وثبت العظماء والاشراف بالمدائن فخلعوا هرمز ، وسملوا
هامش
( 1 ) في المصدر : ليبغنه غبنا . قلت : لعله من بغى الشئ : طلبه ، والغبن : المكر والخديعة .