وكان ذا علم في النصرانية ، ولم يزل في تلك الصومعة راهب يصير إليه علمهم من كتاب فيما
يزعمون يتوارثون كابرا " عن كابر .
يقال : أضب على ما في نفسه : إذا أخرجه ، وأضب : تكلم ، ويقال : جاء فلان يضب
لسانه أي اشتد حرصه .
وروي ( 1 ) عن داود بن الحصين قال : لما خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه
رسول الله صلى الله عليه وآله في المرة الأولى وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فلما نزل الركب بصرى الشام
وبها راهب يقال له : بحيرا في صومعة له ، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة
يتوارثونها عن كتاب يدرسونه ، فلما نزلوا ببحيرا وكان كثيرا " ما يمرون به لا يكلمهم
حتى إذا كان ذلك العام ونزلوا منزلا " قريبا " من صومعته . قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما
مروا ، فصنع لهم طعاما " ثم دعاهم ، وإنما حمله على دعاءهم أنه رأى حين طلعوا غمامة
تظل رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة ، ثم نظر إلى تلك الغمامة
أظلت تلك الشجرة ، وأخضلت أغصان الشجرة على النبي صلى الله عليه وآله حين استظل تحتها ،
فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فاتي به ، فأرسل إليهم فقال :
إني قد صنعت لكم طعاما " يا معشر قريس ، وأنا أحب أن تحضروه كلكم ولا تخلفون ( 2 ) منكم
صغيرا " ولا كبيرا " ، حرا " ولا عبدا " ، فإن هذا شئ تكرموني به ، فقال له رجل : إن لك لشأنا "
يا بحيرا ، ما كنت تصنع بنا هذا ، فما شأنك اليوم ؟ قال : فإني أحببت أن أكرمكم ولكم
حق ، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله من بين القوم لحداثة سنه ، ليس في القوم
أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرفها
ويجدها عنده ، وجعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ، ويراها متخلفة على رأس
رسول الله صلى الله عليه وآله ، قال بحيرا : يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ، قالوا : ما
تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا " في رحالهم ، فقال : ادعوه فليحضر طعامي ، فما
أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد ، مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم : هو والله
هامش
( 1 ) والحديث في المصدر مسند يطول ذكر إسناده .
( 2 ) في المصدر : ولا تخلفوا .