وهي أنه روي أنه كان من سببها أن الله أجدب البلاد والزمان ، فدخل ذلك على عامة
الناس ، وكانت حليمة تحدث عن زمانها وتقول : كان الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله في
جهد شديد ، وكنا أهل بيت مجدبين ، وكنت امرأة طوافة ، أطوف البراري والجبال ،
ألتمس الحشيش والنبات ، فكنت لا أمر على شئ من النبات إلا قلت : الحمد لله الذي
أنزل بي هذا الجهد والبلاء ، ولما ولد النبي صلى الله عليه وآله خرجت إلى ناحية مكة ولم أكن ذقت
شيئا " منذ ثلاثة أيام ، وكنت التوي كما تلتوي الحية ، وكنت ولدت ليلتي تلك غلاما "
فلم أدر أجهد الولادة أشكو أم جهد نفسي ، فلما بت ليلتي تلك أتاني رجل في منامي
فحملني حتى قذفني في ماء أشد بياضا " من اللبن ، وقال : يا حليمة أكثري من شرب هذا
الماء ليكثر لبنك ، فقد أتاك العز وغناء الدهر ، تعرفينني ؟ قلت : لا ، قال أنا الحمد لله الذي
كنت تحمدينه في سرائك وضرائك ، فانطلقي إلى بطحاء مكة ، فإن لك فيها رزقا " واسعا " ،
واكتمي شأنك ولا تخبري أحدا " ، ثم ضرب بيده على صدري ، فقال : أدر الله لك اللبن ،
وأكثر لك الرزق ، فانتبهت وأنا أجمل نساء بني سعد ، لا أطيق أن أسبل ( 1 ) ثديي ، كأنهما
الجر العظيم ، يتسيب ( 2 ) منهما لبن ، وأرى الناس حولي من نساء بني سعد ورجالهم في
جهد من العيش ، إنما كنا نرى البطون لازقة بالظهور ، والألوان شاحبة ( 3 ) متغيرة ،
لا نرى في الجبال الراسيات شيئا " ، ولا في الأرض شجرا " ، وإنما كنا نسمع من كل جانب
أنينا " كأنين المرضى ، وكادت العرب أن تهلك هزالا " وجوعا " ، فلما أصبحت حليمة وإنها
لفي جهد من العيش وتغير من الحال ، وقد أصبحت اليوم تشبه بنات الملوك ، قلن : إ
لها شأنا " عظيما " ، ثم احدقن بي يسألنني عن قصتي ، فكنت لا أحير جوابا " ، فكتمت
شأني لأني بذلك كنت أمرت ، ولم تبق امرأة في بني سعد ذات زوج إلا وضعت غلاما " ،
ورأيت الرؤوس المشتعلة بالشيب قد عادت سودا " لبركة مولد رسول الله صلى الله عليه وآله ، فبينا نحن
كذلك إذ سمعنا صوتا " ينادي : ألا إن قريشا " قد وضعت العام كل بطونها ، وإن الله قد
هامش
( 1 ) أسبل الدمع : أرسله . الماء : صبه .
( 2 ) هكذا في الأصل ، وفي المصدر : يتسبسب وهو الصحيح أي يسيل .
( 3 ) شحب لونه : تغير من جوع أو مرض ونحوهما .