تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحار الأنوار — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
ولا تكلف سبب ولا أداة ، وإنما كنى بهذه اللفظة لأنه لا يدخل في وهم العباد شئ أسرع من كن فيكون ، والآخر أن هذه الكلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه وإيجاده لما فيه من المصلحة والاعتبار ، وإنما استعمل لفظة الامر فيما ليس بأمر هنا ليدل ذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور في أنه لا كلفة فيه على الآمر . ( 1 ) وقال رحمه الله في قوله " واذكر في الكتاب مريم إذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " أي انفردت من أهلها إلى مكان في جهة المشرق وقعدت ناحية منهم ، قال ابن عباس : " إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة لأنها انتبذت مكانا شرقيا ، وقيل : اتخذت مكانا تنفرد فيه للعبادة لئلا تشتغل بكلام الناس ، عن الجبائي ، وقيل : تباعدت عن قومها حتى لا يروها ، عن الأصم وأبي مسلم ، وقيل : إنها تمنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها ، ( 2 ) فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة للشمس ، عن عطاء " فاتخذت من دونهم حجابا " أي فضربت من دون أهلها لئلا يروها سترا وحاجزا بينها وبينهم " فأرسلنا إليها روحنا " يعني جبرئيل عليه السلام عن ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم ، وسماه الله روحا لأنه روحاني ، وأضافه إلى نفسه تشريفا له " فتمثل لها بشرا سويا " معناه : فأتاها جبرئيل فانتصب بين يديها في صورة آدمي صحيح لم ينقص منه شئ ، وقال أبو مسلم : إن الروح الذي خلق منه المسيح عليه السلام تصور لها إنسانا ، والأول هو الوجه لاجماع المفسرين عليه ، وقال عكرمة : كانت مريم إذا حاضت خرجت من المسجد ، وكانت عند خالتها امرأة زكريا أيام حيضها ، فإذا طهرت عادت إلى بيتها في المسجد ، فبينما هي في مشرقة لها في ناحية الدار وقد ضربت بينها وبين أهلها سترا لتغتسل وتمتشط إذ دخل عليها جبرئيل في صورة رجل شاب أمرد سوي الخلق ، فأنكرته فاستعاذت بالله منه " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " معناه إني أعتصم بالرحمن من شرك فأخرج من عندي إن كنت تقيا . سؤال : كيف شرطت في التعوذ منه أن يكون تقيا والتقي لا يحتاج أن يتعوذ منه ، وإنما يتعوذ من غير التقي ؟ .
هامش
( 1 ) مجمع البيان 2 : 442 و 443 . ( 2 ) فلى رأسه أو ثوبه : نقاهما من القمل . وفي نسخة : فتغسل رأسها .