وذهب قوم من المشائين إلى كون الوجود حقائق متباينة بتمام ذواتها ( 1 ) ، أما
كونه حقائق متباينة ، فلاختلاف آثارها ، وأما كونها متباينة بتمام الذوات ،
فلبساطتها . وعلى هذا يكون مفهوم الوجود المحمول عليها عرضيا خارجا عنها ( 2 )
لازما لها .
والحق أنه حقيقة واحدة مشككة ، أما كونه حقيقة واحدة ، فلأنه لو لم يكن
كذلك ، لكان حقائق مختلفة متباينة بتمام الذوات ، ولازمه كون مفهوم الوجود -
وهو مفهوم واحد كما تقدم ( 3 ) - منتزعا من مصاديق متباينة بما هي متباينة ، وهو
محال ، بيان الاستحالة : أن المفهوم والمصداق واحد ذاتا ، وإنما الفارق كون
الوجود ذهنيا أو خارجيا ، فلو انتزع الواحد بما هو واحد من الكثير بما هو كثير ،
كان الواحد بما هو واحد كثيرا بما هو كثير ، وهو محال .
وأيضا ، لو انتزع المفهوم الواحد بما هو واحد من المصاديق الكثيرة بما هي
كثيرة ، فإن اعتبر ( 4 ) في صدقه خصوصية هذا المصداق لم يصدق على ذلك
المصداق ، وإن اعتبر فيه خصوصية ذاك لم يصدق على هذا ، وإن اعتبر فيه
الخصوصيتان معا لم يصدق على شئ منهما ( 5 ) ، وإن لم يعتبر شئ من
الخصوصيتين - بل انتزع من القدر المشترك بينهما - لم يكن منتزعا من الكثير بما
هو كثير ، بل بما هو واحد ، كالكلي المنتزع من الجهة المشتركة بين الأفراد الصادق
على الجميع ، هذا خلف .
وأما أن حقيقته مشككة ، فلما يظهر من الكمالات الحقيقية المختلفة التي هي
صفات متفاضلة غير خارجة ( 6 ) من الحقيقة الواحدة ، كالشدة والضعف ، والتقدم
هامش
( 1 ) كما في شرح المنظومة : 24 .
( 2 ) إذ لو كان داخلا ، كان جزءا وينافي ذلك البساطة - منه ( رحمه الله ) - .
( 3 ) في الفصل الثاني من هذه المرحلة .
( 4 ) في المطبوع : " فإما أن تعتبر " وما أثبتناه أولى منه كما لا يخفى .
( 5 ) أي وإن اعتبر فيه الخصوصيتان معا فلم يصدق على أحدهما بعينه .
( 6 ) إذ لو كانت خارجة من حقيقة الوجود كانت باطلة ، لانحصار الأصالة في الوجود - منه ( رحمه الله ) - .