القوابل المختلفة من الأجسام الكثيفة ، كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب
مختلفة متمايزة بالشدة والضعف ، والتقدم والتأخر ، وغير ذلك ، فيرجع ما به
الامتياز فيها إلى ما به الاشتراك ، وما به الاختلاف إلى ما به الاتحاد ، فليست
خصوصية شئ من المراتب جزءا مقوما للوجود ، لبساطته - كما سيجئ ( 1 ) - ، ولا
أمرا خارجا عنه ، لأن أصالة الوجود تبطل ما هو غيره الخارج عنه ، بل الخصوصية
في كل مرتبة مقومة لنفس المرتبة ( 2 ) - بمعنى ما ليس بخارج منها - .
ولها ( 3 ) كثرة طولية باعتبار المراتب المختلفة الآخذة من أضعف المراتب ،
وهي التي لا فعلية لها إلا عدم الفعلية ، وهي المادة الأولى الواقعة في أفق العدم ، ثم
تتصاعد ( 4 ) المراتب إلى أن تنتهي إلى المرتبة الواجبة لذاتها ، وهي التي لا حد لها
إلا عدم الحد . ولها ( 5 ) كثرة عرضية باعتبار تخصصها بالماهيات المختلفة التي هي
مثار الكثرة .
هامش
( 1 ) في الفصل السابع من هذه المرحلة .
( 2 ) أي ولا تكون تلك الخصوصية عارضة . فالتقدم للوجود المتقدم ليس جزءا مقوما للوجود
وإلا لتركب والوجود بسيط ، ولا عارضا وإلا لكان جائز التأخر ولزم الانقلاب وهو محال .
( 3 ) أي لحقيقة الوجود .
( 4 ) توضيحه : أنا إذا اعتبرنا مراتب هذه الحقيقة آخذة من أضعف المراتب ، كانت المرتبة
الثانية التي فوقها أشد منها وأقوى ، وكانت الثالثة التي فوق الثانية أشد مما تحتها وأقوى ،
وهكذا حتى تنتهي إلى المرتبة العليا التي فوق الجميع .
ثم إذا أخذنا بعض المراتب المتوسطة وقسناها إلى ما فوقها ، كانت التي فوقها مشتملة
على ما فيها من الكمال وزيادة ، بخلاف التي تحتها ، فإذن التي تحتها محدودة بالنسبة إلى ما
فوقها فاقدة لتمام كمالها ، ثم إذا قسنا التي فوق إلى التي فوقها كانت أيضا محدودة بالنسبة
إلى ما فوقها .
وعلى هذا القياس ، حتى تنتهي إلى المرتبة التي هي فوق الجميع ، فما دونها محدودة
بالنسبة إليها ، وهي مطلقة غير محدودة بحد عدمي ، وإن شئت فقل : " حدها أنه لا حد لها " .
وأما المرتبة التي تحت الجميع ، ففيها كل حد عدمي ، وليس لها من الكمال إلا أنها تقبل
الكمال ، وهي الهيولى الأولى - منه رحمه الله .
( 5 ) أي لحقيقة الوجود .