ويظهر مما تقدم : ضعف قول آخر في المسألة منسوب إلى المحقق الدواني ( 1 ) ،
وهو أصالة الوجود في الواجب ( تعالى ) وأصالة الماهية في الممكنات ، وعليه
فاطلاق الموجود على الواجب بمعنى : أنه نفس الوجود ، وعلى الماهيات بمعنى :
أنها منتسبة إلى الوجود ، ك " اللابن " و " التامر " بمعنى المنتسب إلى اللبن والتمر ،
هذا . وأما على المذهب المختار فالوجود موجود بذاته ، والماهية موجودة
بالعرض ( 2 ) .
الفصل الخامس
في أن الوجود حقيقة واحدة مشككة
اختلف القائلون بأصالة الوجود ، فذهب بعضهم إلى أن الوجود حقيقة واحدة
مشككة ، وهو المنسوب إلى الفهلويين ( 3 ) من حكماء الفرس ( 4 ) ، فالوجود عندهم ،
لكونه ظاهرا بذاته مظهرا لغيره من الماهيات ، كالنور الحسي الذي هو ظاهر بذاته
مظهر لغيره من الأجسام الكثيفة للأبصار .
فكما أن النور الحسي نوع واحد ، حقيقته أنه ظاهر بذاته مظهر لغيره ، وهذا
المعنى متحقق في جميع مراتب الأشعة والأظلة على كثرتها واختلافها ، فالنور
الشديد شديد في نوريته التي يشارك فيها النور الضعيف ، والنور الضعيف ضعيف
في نوريته التي يشارك فيها النور الشديد ، فليست شدة الشديد منه جزءا مقوما
للنورية حتى يخرج الضعيف منه ، ولا عرضا خارجا عن الحقيقة ، وليس ضعف
الضعيف قادحا في نوريته ، ولا أنه مركب من النور والظلمة لكونها ( 5 ) أمرا عدميا ،
بل شدة الشديد في أصل النورية ، وكذا ضعف الضعيف ، فللنور عرض عريض
باعتبار مراتبه المختلفة بالشدة والضعف ، ولكل مرتبة عرض عريض باعتبار
هامش
( 1 ) نسب إليه في شرح المنظومة : 25 .
( 2 ) أي بعرض الوجود عليها .
( 3 ) الفهلوي معرب " پهلوي " في الفارسية .
( 4 ) نسب إليهم في الأسفار 1 : 432 - 433 ، وشرح المنظومة : 22 - 23 و 43 - 44 .
( 5 ) أي الظلمة .