ثم ننتزع من كل من هذه الأمور المشهودة لنا - في عين أنه واحد في الخارج -
مفهومين اثنين ، كل منهما غير الآخر مفهوما وإن اتحدا مصداقا ، وهما الوجود
والماهية ، كالإنسان الذي في الخارج ، المنتزع عنه أنه انسان وأنه موجود .
وقد اختلف الحكماء في الأصيل منهما ، فذهب المشاؤون إلى أصالة
الوجود ( 1 ) ، ونسب إلى الإشراقيين القول بأصالة الماهية ( 2 ) .
وأما القول بأصالتهما معا ، فلم يذهب إليه أحد منهم ، لاستلزام ذلك كون كل
شئ شيئين اثنين ، وهو خلاف الضرورة .
والحق ما ذهب إليه المشاؤون ، من أصالة الوجود .
والبرهان عليه : أن الماهية من حيث هي ليست إلا هي ، متساوية النسبة إلى
الوجود والعدم ، فلو لم يكن خروجها من حد الاستواء إلى مستوى الوجود
- بحيث تترتب عليها الآثار - بواسطة الوجود ، كان ذلك منها إنقلابا ، وهو محال
بالضرورة ، فالوجود هو المخرج لها عن حد الاستواء ، فهو الأصيل .
وما قيل : " إن الماهية بنسبة مكتسبة من الجاعل تخرج من حد الاستواء إلى
مرحلة الأصالة ، فتترتب عليها الآثار " ( 3 ) ، مندفع بأنها إن تفاوتت حالها بعد
الانتساب ، فما به التفاوت هو الوجود الأصيل وإن سمي نسبة إلى الجاعل ، وإن لم
تتفاوت ومع ذلك حمل عليها أنها موجودة وترتبت عليها الآثار ، كان من
الانقلاب ( 4 ) - كما تقدم ( 5 ) - .
هامش
( 1 ) ومنهم بهمنيار في التحصيل : 284 ، والسيد الداماد في القبسات : 38 . وتبعهم صدر
المتألهين في الأسفار 1 : 49 ، والحكيم السبزواري في شرح المنظومة : 10 .
وقيل في وجه تسميتهم بالمشائين : " انما لقبوا بهذا الاسم لأنهم كانوا يمشون في ركاب
أرسطو كذا " .
( 2 ) نسب إليهم في شرح المنظومة : 10 - 11 .
( 3 ) والقائل المحقق الدواني على ما في شرح المنظومة : 25 .
( 4 ) هكذا أجاب عنه صدر المتألهين في الأسفار 1 : 73 - 74 .
( 5 ) تقدم قبل أسطر .