تجوز ، فليست عللا حقيقية ، وإنما هي مقربات تقرب المادة إلى إفاضة الفاعل ،
كورود المتحرك في كل حد من حدود المسافة ، فإنه يقربه إلى الورود في حد
يتلوه ، وكانصرام القطعات الزمانية ، فإنه يقرب موضوع الحادث إلى فعلية الوجود .
الفصل الثالث
في وجوب وجود المعلول عند وجود العلة التامة
ووجوب وجود العلة عند وجود المعلول ( 1 )
إذا كانت العلة التامة موجودة ، وجب وجود معلولها ، وإلا جاز عدمه مع
وجودها ، ولازمه تحقق عدم المعلول لعدم العلة من دون علة .
وإذا كان المعلول موجودا ، وجب وجود علته ، وإلا جاز عدمها ( 2 ) مع وجود
المعلول ، وقد تقدم أن العلة - سواء كانت تامة أو ناقصة - يلزم من عدمها عدم
المعلول ( 3 ) .
ومن هنا يظهر : أن المعلول لا ينفك وجوده عن وجود علته ، كما أن العلة
التامة لا تنفك عن معلولها .
فلو كان المعلول زمانيا موجودا في زمان بعينه ، كانت علته موجودة واجبة
في ذلك الزمان بعينه ، لأن توقف وجوده على العلة في ذلك الزمان ، فترجيح العلة
لوجوده وإفاضتها له في ذلك الزمان ، ولو كانت العلة موجودة في زمان آخر
هامش
( 1 ) اعلم أن العلة - كما سبق - ذات تؤثر في الشئ وجودا من حيث هي مؤثرة بالفعل ، فإن
كانت الذات تؤثر في الشئ من دون أن تتأثر من غيره فهي العلة التامة وإلا فهي العلة
الناقصة . ومن هنا يظهر أن الذات لا تصير علة ولا تتصف بالعلية ما لم يؤثر في غيره ، فالذات
من حيث هي ، لا من حيث هي مؤثرة ، وقبل أن تؤثر تخلفت عن وجود المعلول لأنه حينئذ
لم تصر علة ولم تتصف بالعلية ، ومن حيث هي مؤثرة وبعد أن تؤثر يمتنع تخلفها عن وجود
المعلول . فالأولى أن يقال : إذا صارت الذات علة تامة فيمتنع تخلف المعلول عنها ، لأن
الذات لم تصر علة إلا أن تؤثر في الشئ وجودا ، والتأثير غير منفك عن الأثر ، فإن نسبة
الأثر إلى المؤثر كنسبة الظل إلى الشاخص .
( 2 ) أي عدم علته .
( 3 ) في الفصل السابق .