الفصل الأول
في إثبات العلية والمعلولية وأنهما في الوجود
قد تقدم أن الماهية في ذاتها ممكنة تستوي نسبتها إلى الوجود والعدم ، وأنها
في رجحان أحد الجانبين محتاجة إلى غيرها ( 1 ) ، وعرفت أن القول بحاجتها في
رجحان عدمها إلى غيرها نوع تجوز ، وإنما الحاجة في الوجود ، فلوجودها توقف
على غيرها ( 2 ) .
وهذا التوقف لا محالة على وجود الغير ، فإن المعدوم من حيث هو معدوم لا
شيئية له ، فهذا الموجود المتوقف عليه في الجملة هو الذي نسميه : " علة " ، والماهية
المتوقفة عليه في وجودها : " معلولتها " ( 3 ) .
هامش
( 1 ) في الفصل السابع والثامن من المرحلة الرابعة .
( 2 ) في الفصل العاشر من المرحلة الأولى .
( 3 ) اعلم أنهم اختلفوا في تعريف العلة والمعلول .
قال الشيخ الرئيس في رسالة الحدود : " إن العلة هي كل ذات يلزم منه أن يكون وجود
ذات أخرى إنما هو بالفعل من وجود هذا الفعل ، ووجود هذا بالفعل من وجود ذلك بالفعل " ،
راجع رسائل ابن سينا : 117 . وقال في عيون الحكمة : " السبب هو كل ما يتعلق به وجود
الشئ من غير أن يكون ذلك الشئ داخلا في وجوده أو محققا به وجوده " . وناقش فيه
فخر الدين الرازي في شرح عيون الحكمة 3 : 45 .
وقال المحقق الطوسي : " كل شئ يصدر عنه أمر إما بالاستقلال أو بالانضمام ، فإنه علة
لذلك الأمر ، والأمر معلول له " ، راجع كشف المراد : 114 . وأورد عليه القوشجي في شرح
التجريد : 112 ، ثم قال : " فالصواب أن يقال : العلة ما يحتاج إليه أمر في وجوده " .
ولهم في كتبهم عبارات شتى غير ما ذكر في تعريف العلة والمعلول . ويمكن القول بأن :
العلة هي ما يؤثر في الشئ في الوجود ، والمعلول ما يتأثر منه في الوجود ، وبتعبير آخر :
العلة ذات تؤثر في الشئ وجودا من حيث هي مؤثرة بالفعل ، والمعلول ذلك الشئ المتأثر
من حيث هو متأثر بالفعل . فإن كان المؤثر مؤثرا غير متأثر فهو العلة التامة وإن كان مؤثرا هو
متأثر عن المؤثر الآخر فهو العلة الناقصة .
ومن هنا يظهر أن العلة التامة منحصرة في الله عز وجل .