ومعلولها سنخية ذاتية ليست بين الواحد منهما وغير الآخر ، وإلا جاز كون كل
شئ علة لكل شئ وكل شئ معلولا لكل شئ ، ففي العلة جهة مسانخة لمعلولها ،
هي المخصصة لصدوره عنها ، فلو صدرت عن العلة الواحدة - وهي التي ليست لها
في ذاتها إلا جهة واحدة - معاليل كثيرة بما هي كثيرة متباينة غير راجعة إلى جهة
واحدة بوجه من الوجوه ، لزمه تقرر جهات كثيرة في ذاتها وهي ذات جهة واحدة ،
وهذا محال ( 1 ) .
ويتبين بذلك : أن ما يصدر عنه الكثير من حيث هو كثير ، فإن في ذاته جهة
كثرة ( 2 ) .
ويتبين أيضا : أن العلل الكثيرة لا تتوارد على معلول واحد ( 3 ) .
الفصل الخامس
في استحالة الدور والتسلسل في العلل
أما استحالة الدور - وهو توقف وجود الشئ على ما يتوقف عليه وجوده ،
إما بلا واسطة ، وهو " الدور المصرح " وإما بواسطة أو أكثر ، وهو " الدور
المضمر " - ، فلأنه يستلزم توقف وجود الشئ على نفسه ، ولازمه تقدم الشئ
هامش
( 1 ) هذا البيان جامع لأكثر البراهين . وادعى بعض المحققين بداهة المسألة ، كما قال المحقق
اللاهيجي في شوارق الإلهام : 210 : " فالحق ما ذكره الشارح القديم من أن الحكم بأن
الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد بديهي لا يتوقف إلا على تصور طرفيه " . وقال المحقق
الطوسي في شرح الإشارات 3 : 122 : " وكان هذا الحكم قريبا من الوضوح " .
( 2 ) لأن الكثير من حيث هو كثير لا يناسب الواحد من حيث هو واحد ، فالكثير من حيث هو
كثير لا يكون إثرا للواحد بما هو واحد ، والا لزم أن يكون الواحد من حيث هو واحد كثيرا ،
وهذا ضروري البطلان .
( 3 ) والوجه في ذلك أنه لو كان كل واحدة من العلل علة مستقلة لذلك المعلول الواحد ، لزم
احتياج المعلول الواحد إلى كل واحدة منها ، لكونها علة له ، ولزم استغناء ذلك المعلول عن
كل واحدة منها لكون الأخرى مستقلة في عليته ، وهو محال للزوم اجتماع النقيضين .