الأخلاقية والدينية قد أنكر جميل مضيفيه من الإسماعيلية ، كما ساعد على الإيقاع بالخليفة في سبيل أن يرضى فاتحا وثنيا سفاكا للدماء مثل هولاگو . . ! ! ولما كان « ابن الطقطقي » شيعيا مثل هذين تماما ، فإني شخصيا أرى أن ما ذكره في كتاب الفخري عن هذه الواقعة ، يجب تأويله تأويلا مضادا للرأي الذي رآه .
ولكي نوفق بين آرائنا وبين ما نعرفه عن المغول وخاصة هولاگو خان ، يجب أن نفترض أن « ابن العلقمى » قد خدعته الوعود الطيبة التي بذلها له المغول ، ثم أعماه التعصب المذهبى ، فزين له تفضيل الوثني الكافر على من يخالف مذهبه من أهل دينه . وربما انضم إلى ذلك أنه كان على وفاق مع « نصير الدين الطوسي » الذي أصبح وزيرا لهولاگو خان والذي كان مثله أيضا من أهل الشيعة ، فقبل من أجل هذه الفروض جميعها أن يخون الخليفة وأن يخون بغداد وأن يسلمهما معا إلى المغول ليفعلوا بهما ما يشاءون . وقد قربه المغول كعادتهم ، حتى إذا اعتصروا عصارته ونالوا منه ما يريدون تخلصوا منه في قليل من الزمن . وربما يؤيد هذا الرأي إننا نجد أن حياته لا تمتد إلا إلى ثلاثة أشهر بعد موت الخليفة أي إلى مايو سنة 1258 م - جمادى الأولى سنة 656 ه
ومع كل هذا . . . يجب أن نقرر أن الأمر مستغلق ، وأنه سيظل مستغلقا غامضا ما شاء اللّه له أن يكون ، فإذا لم تشأ أن تدعو للوزير بالرحمة كما فعل ابن الطقطقي ، فلا أقل من أن تمتنع عن لعنته كما فعل صاحب « طبقات ناصري » . ومن الملاحظ أن هذا الأخير يتغالى في سنيته أكثر مما يتغالى « ابن الطقطقي » في تشيعه .
المستعصم :
ويبدو لنا من الفصل الأخير من كتاب « الفخري » وهو الفصل الذي خصصه للخليفة المستعصم ، أن الخليفة كان لين الجانب سهل العريكة مستضعف الرأي ، وأنه لم يكن الشخص المناسب لمدافعة هذا الخطر الداهم الذي شقيت به أيامه والذي انتهى بالقضاء عليه شخصيا في قليل من الزمن .
وكان « المستعصم » خيرا ، متدينا ، عفيف اللسان ، عالما ، مليح الخط ، يكثر القراءة في الكتب ، خفيف الوطأة على أتباعه ؛ ولكنه كان برغم هذه الخصال الطيبة رعديدا مترددا ، ضعيف البطش ، قليل الخبرة بأمور المملكة . وقد رفض أن يتبع سنة آبائه الذين كانوا يحبسون أولادهم وأقاربهم مخافة أن يتآمروا على خلعهم ويستأثروا بالسلطة