الضلال » و « تهافت الفلاسفة » . والكتاب الأخير هو الذي أوحى ، فيما بعد ، لابن رشد القرطبي بتأليف كتابه « تهافت التهافت » .
وفيما يلي قطعة ننقلها من « المنقذ » وهي كبيرة الفائدة في الدلالة على مقدار ما بلغه الغزالي من التعمق في الدين قبلما يبلغ مرتبة الصفاء النفسي التي ظفر بها في النهاية « 1 » :
« ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ؛ وأتوغل في كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، واستكشف أسرار مذهب كل طائفة :
لأميز بين محق ومبطل ، ومتين ومبتدع ؛ لا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد لوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته ، وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبى وديدنى من أول أمرى وريعان عمرى غريزة وفطرة من اللّه ، وضعتا في جبلتى ، لا باختيارى وحيلتي ، حتى انجلت عنى رابطة التقليد ، وانكسرت على العقائد الموروثة ، على قرب عهد سن الصبا . . » .
وقد استطاع « الغزالي » بعد هذه المجاهدات المبكرة في البحث عن الحق ، والخروج به من مغاور الشك القاتمة ، أن يكسب الدين البين قدرة ورسوخا ، يستطيع بواسطتهما سائر الناس أن يبلغوا المرساة المطمئنة التي رسا إليها هو نفسه بعد جهود بمضنية ومشاكل شائكة ؛ وقد فاز لقاء هذه الجهود باللقب الرائع الذي عرف به وهو « حجة الإسلام » . كما استطاع أن يجعل عالما معروفا كالسيوطي يقول في شأنه : إنه لو قيض للاسلام رسول بعد محمد ، لما كان هذا الرسول غير الغزالي . . !
هامش
( 1 ) المترجم : نقلنا النص من طبعة « المنقذ » المنشورة في القاهرة سنة 1952 م ( أنظر ص 51 )