وإذا صحت وجهات النظر هذه التي أبديناها ، وهي تخالف المألوف والمعروف فلماذا إذن فازت الشاهنامه بشهرة عريضة وذاع صيتها ذيوعا عظيما لا مثيل له في إيران وكذلك في جميع البلاد التي يدرسون فيها اللغة الفارسية . . ؟ أما ذيوعها في إيران ، فأهم أسبابه أن الفرس يعتزون بها كسجل خالد لعظمتهم القومية التي اتصفوا بها منذ أقدم العصور ، والتي أخذت بعد ذلك للأسف في التدهور والفتور . وقد انتقل رأى الفرس هذا إلى جميع المشتغلين بالفارسية في كافة البلاد الأسيوية والأوروبية واعتنقه فيمن اعتنقه المستشرقون الأوروبيون الأوائل ، واعتبروه رأيا صحيحا جديرا بالتصديق والتسليم ، وجاء بعدهم جماعة من المستشرقين أسلم رأيا وأكثر تدقيقا ، ولكن بعض العوامل الأخرى أثرت فيهم وجعلتهم لا يحيدون عن هذا الرأي لما وجدوه في « الشاهنامه » من دراسة لغوية « فيلولوجية » باعتبارها من أقدم الكتب الفارسية التي عرفت بحرصها الشديد على استبعاد الألفاظ العربية ، ولما لمسوه فيها من روح « هلينية » تميل إلى تمجيد العبقرية الآرية والحط من قدر الشعوب السامية ، ولما عرفوه من أهمية كبيرة لمحتوياتها فيما يتعلق بالأساطير والخرافات الشعبية ؛ فإذا أضفنا إلى ذلك كله أن الفردوسي فاز من مواطنيه بشهرة عظيمة بسبب نظمه للشاهنامه وحدها ، وعلمنا أن رأى هؤلاء هو العماد بغير شك فيما يذهبون إليه ، ووجدنا أن هذه الشهرة العريضة ما زالت لا صقة به منذ البداية حتى هذه الأزمنة ، لا يعتريها وهن أو تغيير ، فإنه من العسير علىّ أن أفصح عن رأيي الشخصي أكثر مما ذكرت . ولكني في هذه المناسبة أحب أن ألفت نظر المستشرقين الأوروبيين إلى أنه لو صح لنا دائما أن نأخذ برأي المواطنين في شعرائهم فإن « المتنبي « 1 » » يجب أن يفوز بما فاز به « الفردوسي » تماما من شهرة عريضة وصيت ذائع ولو أن بعضهم قد أنكر عليه ذلك وقسا عليه في حكمه .
وقد ترجمت في الجزء السابق من كتابي هذا جملة من مقطوعات الشاهنامه المتصلة بقصة « اردشير » وبينت فيها كيف كان « الفردوسي » أمينا في متابعة المصادر
هامش
( 1 ) كان المتنبي معاصرا للفردوسى تقريبا فقد ولد سنة 905 م - 293 ه ومات مقتولا سنة 965 م - 354 ه .