ولنا أن نقيس هؤلاء على أنفسنا في قراءتنا للجملات المعلومة لنا ، مثل جملة
" صبحكم الله بالخير " فإننا نقرأها صحيحة ولو لم تكن منقطة .
وعدا عن أن هذا الاختلاف الناشئ عن عدم النقط والشكل لم يكن في صالح
المسلمين ، فإنه أيضا قد يؤدي إلى التغيير في المعاني واشتباه المراد في كلامه
تعالى . وكمثال على ذلك نذكر أنه لو نظر شخص - لا معرفة له - في قوله تعالى
* ( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) * ( 1 ) وهي بلا إعجام ولا إعراب
لاحتمل في كلمة " بشرا " احتمالات كثيرة ، بعضها له معنى ، وبعضها لا معنى له ، ولو
أسقط منها ما لا معنى له لبقي له أيضا العديد منها تستلزم الأقوال الكثيرة المختلفة .
فمنها : أن يقرأها " نشرا " بضم النون والشين معا .
ومنها : أن يقرأها " نشرا " بضم النون وسكون الشين .
ومنها : أن يقرأها " نشرا " بفتح النون وسكون الشين .
ومنها : أن يقرأها " بشرا " بضم الباء وسكون الشين كما في قراءة عاصم على
ما قيل ، وهو المطابق لضبط القرآن .
فلعل قسما كبيرا من الاختلافات بين القراء السبعة كان مرده إلى هذا ، أي كان
كثيرا ما يحصل من ترجيح كل منهم أحد الوجوه واعتماده عليه .
وهذا الاختلاف هو ما تكفل أبو الأسود ( 2 ) وتلميذاه ( 3 ) برفعه والقضاء عليه ،
كما تكفل عثمان برفع الاختلاف الناشئ عن تجويز قراءة القرآن على سبعة
أحرف ، فنعم ما فعلوه .
هامش
( 1 ) الأعراف : 57 .
( 2 ) أبو الأسود : اسمه : ظالم بن ظالم ، أو الظالم بن عمرو ، هو أحد الفضلاء الفصحاء من الطبقة
الأولى من شعراء الإسلام وشيعة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) .
قال ابن خلكان : وكان نازلا في بني قشير بالبصرة ، فكانوا يرجمونه بالليل لمحبته لعلي ( عليه السلام ) .
وتوفي ( رحمه الله ) سنة 69 ه . ( راجع الكنى والألقاب للمحدث القمي ) .
( 3 ) وهما : يحيى بن يعمر العدواني ، ونصر بن عاصم الليثي .