تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 840

مساهمون:

ص٨٤٠
انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم الزكاة ثم الصدقات ، وما يجري مجراها من مال الفيء ، فقال المنافقون : هل بقي لربك علينا بعد الذي فرضه شيء آخر يفترضه ، فتذكره لتسكن أنفسنا أنه لم يبق غيره ؟ فأنزل الله في ذلك قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ) * يعني الولاية ، وأنزل إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّه ورَسُولُه والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ ) * « 1 » ، وليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد وهو راكع غير رجل واحد ، لو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من ذكره ، وهذا وما أشبهه من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب ليجهل معناها المحرفون فيبلغ إليك وإلى أمثالك ، وعند ذلك قال الله عز وجل : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً » . وأما قوله لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) * « 3 » ، فإنك ترى أهل الملل المخالفة للايمان ، ومن يجري مجراهم من الكفار ، مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية ، وأنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا ونجوا من عذاب السعير ، فإن الله تبارك وتعالى إنما عنى بذلك أنه جعله سبيلا « 4 » لإنظار أهل هذه الدار ، لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض ، وكان النبي ( صلى الله عليه وآله ) منهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه ، وسلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة ، وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كان نبيهم يتوعدهم بها ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة وغير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية ، وإن الله علم من نبينا ( صلى الله عليه وآله ) ومن الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله ، فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح ، وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه « 5 » : من كنت مولاه فعلي « 6 » مولاه ، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي . وليس من خليقة النبي ولا من شيمته « 7 » أن يقول قولا لا معنى له ، فلزم الأمة أن تعلم أنه لما كانت النبوة والخلافة « 8 » موجودتين في خلافة هارون ، ومعدومتين فيمن جعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى هارون حيث قال له : اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) * « 9 » ، ولو قال لهم : لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه وإلا نزل بكم العذاب ، لأتاهم العذاب ، وزال باب الإنظار والإمهال . وبما أمر بسد باب الجميع وترك بابه ، ثم قال : ما سددت ولا تركت ، ولكني أمرت فأطعت . فقالوا : سددت
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 55 . ( 2 ) المائدة 5 : 3 . ( 3 ) الأنبياء 21 : 107 . ( 4 ) في المصدر : سببا . ( 5 ) في « ج ، ي » : وصيّته . ( 6 ) زاد في المصدر و « ط » : فهذا . ( 7 ) في « ي » : من سمته ، وفي « ط » : من شيمة النبوّة ، وفي المصدر : من النبوّة . ( 8 ) في « ط » نسخة بدل والمصدر : والاخوة . ( 9 ) الأعراف 7 : 142 .