تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرهان في تفسير القرآن — صفحة 838

مساهمون:

ص٨٣٨
الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره . ولو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها ، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه ، ولكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بإيجاب الحجة على خلقه كما قال : فَلِلَّه الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ ) * « 1 » ، أغشى أبصارهم ، وجعل على قلوبهم أكنة عن تأمل « 2 » ذلك ، فتركوه بحاله ، وحجبوا عن تأكيده الملتبس « 3 » بإبطاله ، فالسعداء يتثبتون عليه ، والأشقياء يعمون عنه ومَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّه لَه نُوراً فَما لَه مِنْ نُورٍ ) * « 4 » . ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته ، ورأفته بخلقه وعلمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه « 5 » ، قسم كلامه ثلاثة أقسام : فجعل قسما يعرفه العالم والجاهل ، وقسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه ولطف حسه ، وصح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام ، وقسما لا يعرفه إلا الله وأمناؤه والراسخون في العلم ، وإنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم ، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمار بمن ولاه أمرهم ، فاستكبروا عن طاعته تعززا وافتراء على الله عز وجل ، واغترارا بكثرة من ظاهرهم وعاونهم وعاند الله عز اسمه ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) . فأما ما علمه الجاهل والعالم من فضل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من كتاب الله ، فهو قول الله سبحانه : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه ) * ، وقوله : إِنَّ اللَّه ومَلائِكَتَه يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْه وسَلِّمُوا تَسْلِيماً « 6 » ، ولهذه الآية ظاهر وباطن ، فالظاهر : قوله : صَلُّوا عَلَيْه ، والباطن : قوله : وسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي سلموا لمن وصاه واستخلفه وفضله عليكم ، وما عهد به إليه تسليما ، وهذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه ، وصفا ذهنه ، وصح تمييزه ، وكذلك قوله تعالى : سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ « 7 » لأن الله سمى النبي ( صلى الله عليه وآله ) بهذا الاسم حيث قال : يس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ « 8 » ، لعلمه بأنهم يسقطون قوله : سلام على آل محمد ، كما أسقطوا غيره ، وما زال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يتألفهم ويقربهم ويجلسهم عن يمينه وشماله حتى أذن الله عز وجل في إبعادهم بقوله : واهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا « 9 » ، وبقوله : فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ
هامش
( 1 ) الأنعام 6 : 149 . ( 2 ) في « ج » : تأويل . ( 3 ) في « ج ، ي » : تأويل الملتبس ، وفي « ط » : تأكيد الملبس . ( 4 ) النور 24 : 40 . ( 5 ) في « ي » : كلامه . ( 6 ) الأحزاب 33 : 56 . ( 7 ) الصافات 37 : 130 . ( 8 ) يس 36 : 1 - 3 . ( 9 ) المزمل 73 : 10 .