أيدهم بروح منه ، وعرف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ ) * « 1 » ، وهم النعيم الذي يسأل العباد عنه ، لأن الله تبارك وتعالى أنعم بهم على من أتبعهم من أوليائهم » .
قال السائل : من هؤلاء الحجج ؟ قال : « هم رسول الله ، ومن أحله محله من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه وبرسوله ، وفرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه ، وهم ولاة الأمر الذين قال الله فيهم أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) * « 2 » ، وقال فيهم : ولَوْ رَدُّوه إِلَى الرَّسُولِ وإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَه مِنْهُمْ « 3 » » .
قال السائل : ما ذاك الأمر ؟ قال علي ( عليه السلام ) : « الذي به تنزل الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم ، من خلق ورزق ، وأجل وعمل « 4 » ، وحياة وموت ، وعلم غيب السماوات والأرض ، والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفيائه ، والسفرة بينه وبين خلقه ، وهم وجه الله الذي قال : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْه اللَّه ) * « 5 » ، هم بقية الله ، يعني المهدي يأتي عند انقضاء هذه النظرة ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ومن آياته : الغيبة والاكتتام عند عموم الطغيان ، وحلول الانتقام ، ولو كان هذا الأمر الذي عرفتك نبأه للنبي ( صلى الله عليه وآله ) دون غيره ، لكان الخطاب يدل على فعل ماض غير دائم ولا مستقبل ، ولقال : نزلت الملائكة ، وفرق كل أمر حكيم ، ولم يقل تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ « 6 » ويُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ « 7 » ، وقد زاد جل ذكره في التبيان وإثبات الحجة بقوله في أصفيائه وأوليائه ( عليهم السلام ) : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه « 8 » ، تعريفا للخليقة قربهم ، ألا ترى أنك تقول : فلان إلى جنب فلان ، إذا أردت أن تصف قربه منه ؟
وإنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه وحججه في أرضه ، لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه ، وتلبيسهم ذلك على الأمة ، ليعينوهم على باطلهم ، فأثبت فيه الرموز ، وأعمى قلوبهم وأبصارهم ، لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه ، وجعل أهل الكتاب القائمين « 9 » به والعالمين بظاهره وباطنه ، من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت ، وجعل أعداءها أهل
هامش
( 1 ) الجن 72 : 26 .
( 2 ) النساء 4 : 59 .
( 3 ) النساء 4 : 83 .
( 4 ) زاد في المصدر : وعمر .
( 5 ) البقرة : 2 : 115 .
( 6 ) القدر 97 : 4 .
( 7 ) الدخان 44 : 4 .
( 8 ) الزمر 39 : 56 .
( 9 ) في المصدر ، و « ط » : نسخة بدل : المقيمين .