بابنا وتركت لأحدثنا سنا بابه ! فأما ما ذكروه من حداثة سنه ، فإن الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر موسى ( عليه السلام ) أن يعهد بالوصية إليه وهو في سن ابن سبع سنين ، ولا استصغر يحيى وعيسى لما استودعهما عزائمه وبراهين حكمته ، وإنما فعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة الأمور ، وأن وصيه لا يرجع بعده ضالا ولا كافرا .
وبأن عمد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى سورة براءة فدفعها إلى من علم أن الأمة تؤثره على وصيه ، وأمره بقراءتها على أهل مكة ، فلما ولى من بين يديه أتبعه بوصيه ، وأمره بارتجاعها منه والنفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها ، وقال : إن الله جل جلاله أوحى إلي أن لا يؤدي عني إلا رجل مني ، دلالة منه على خيانة من علم أن الأمة اختارته على وصيه ، ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه ومن يؤازره في تقدم المحل عند الأمة إلى علم النفاق عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل وولاهما عمرو حرس عسكره ، وختم أمرهما بأن ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد ، وأمرهما بطاعته والتصريف بين أمره ونهيه ، وكان آخر ما عهد به في أمر أمته ، قوله :
أنفذوا جيش أسامة ، يكرر ذلك على أسماعهم إيجابا للحجة عليهم في إيثار المنافقين على الصادقين .
ولو عددت كل ما كان من « 1 » رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في إظهار معايب المستولين على تراثه لطال ، وإن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل قام هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة ومستقيلا مما تقلده لقصور معرفته عن تأويل ما كان يسأل عنه ، وجهله بما يأتي ويذر ، ثم أقام على ظلمة ولم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من بعده لغيره ، فأتى التالي بتسفيه رأيه ، والقدح والطعن على أحكامه ، ورفع السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه ، ورد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن وبعضهن حوامل ، وقوله : قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي : إنك لحدب « 2 » على أهل الكفر ، وكان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم ، ولم يزل يخطئه ويظهر الإزراء عليه ويقول على المنبر : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه ، وكان يقول قبل ذلك قولا ظاهرا : ليته حسنة من حسناته ، ويود أنه كان شعرة في صدره ، وغير ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام .
وأتى من أمر الشورى وتأكيده بها عقد الظلم والإلحاد والبغي والفساد حتى تقرر على إرادته ما لم يخف على ذي لب موضع ضرره ، ولم تطق الأمة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل ، فعاجلته بالقتل ، فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم وكفرهم ونفاقهم محاولة مثل ما أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة .
كل ذلك لتتم النظرة التي أوجبها « 3 » الله تبارك وتعالى لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله ، ويحق القول على الكافرين ، ويقترب الوعد الحق الذي بينه الله تعالى في كتابه بقوله : وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) * « 4 » ، وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه
هامش
( 1 ) زاد في « ط » والمصدر : أمر .
( 2 ) أي عطوف ، وفي « ج ، ي » : تحدب .
( 3 ) في المصدر : أوحاها .
( 4 ) النور 24 : 55 .