أنهم مبعوثون ؟ واللقاء عند المؤمن البعث وعند الكافر المعاينة والنظر ، وقد يكون بعض ظن الكافر يقينا ، وذلك قوله : ورَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ) * « 1 » .
وأما قوله في المنافقين : وتَظُنُّونَ بِاللَّه الظُّنُونَا ) * « 2 » ، فليس ذلك بيقين ولكنه شك ، فاللفظ واحد في الظاهر ومخالف في الباطن ، وكذلك قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 3 » ، يعني استوى تدبيره وعلا أمره .
وقوله : وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِله وفِي الأَرْضِ إِله ) * « 4 » ، وقوله : وهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 5 » ، وقوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ « 6 » ، فإنما أراد بذلك استيلاء امنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه ، وأن فعلهم فعله ، فافهم عني ما أقول لك ، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج صدرك وصدر من لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه ، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه لعموم الطغيان والافتتان واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب إلى الاكتتام والاحتجاب خيفة أهل الظلم والبغي .
أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا ، والباطل ظاهرا مشهورا ، وذلك إذا كان أولى الناس بهم أعداهم له ، واقترب الوعد الحق ، وعظم الإلحاد ، وظهر الفساد ، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ، ونحلهم الكفار أسماء الأشرار ، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه ، ثم يتيح الله الفرج لأوليائه ، ويظهر صاحب الأمر على أعدائه .
وأما قوله تعالى : ويَتْلُوه شاهِدٌ مِنْه ) * « 7 » ، فذلك حجة الله أقامها على خلقه ، وعرفهم أنه لا يستحق مجلس النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا من يقوم مقامه ، و [ لا ] يتلوه إلا من يكون في الطهارة مثله منزلة ، لئلا يتسع لمن ماسه رجس الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق لمقام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وليضيق العذر على من يعينه على إثمه وظلمه ، إذ كان الله قد حظر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه وأوليائه بقوله لإبراهيم :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) * « 8 » أي المشركين ، لأنه سمى الظلم شركا بقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ « 9 » ، فلما علم إبراهيم ( عليه السلام ) أن عهد الله تبارك وتعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام ، قال :
هامش
( 1 ) الكهف 18 : 53 .
( 2 ) الأحزاب 33 : 10 .
( 3 ) طه 20 : 5 .
( 4 ) الزخرف 43 : 84 .
( 5 ) الحديد 57 : 4 .
( 6 ) المجادلة 58 : 7 .
( 7 ) هود 11 : 17 .
( 8 ) البقرة 2 : 124 .
( 9 ) لقمان 31 : 13 .